شعراء “المجالس المحلية” أبرز تحديات اللامركزية الإدارية

اللامركزية الإدارية تحول إصلاحي وفرصة إيجابية

سناك سوري – بلال سليطين

من يقارن بين حديث رئيس الجمهورية أمس عن التحول نحو عهد اللامركزية الإدارية وردة فعل غالبية رؤساء المجالس المحلية الذين حولوا الخطاب إلى “سوق عكاظ” يدرك حجم الخطر الذي يحيط بهذا التحول ويبيِّن نوعية الأشخاص الذين يسمح لهم بالوصول إلى مراكز القرار في سوريا.

فـ هؤلاء وصلوا ضمن عملية انتخابية مضبوطة بشكل دقيق جداً وتم اختيارهم اختياراً من قبل “قيادة حزب البعث” وهُنئوا على “نيل ثقة القيادة”، وبالتالي فإن عملية انتخابية مضبوطة بالشكل الذي جرت عليه في أيلول الماضي تنتج وصول شعراء “سوق عكاظ” إلى رئاسة المجالس المحلية تستحق مساءلة من قام بضبطها.

ضعف القدرات

إلا أننا أمام واقع لابد من التعامل معه، فهؤلاء هم رؤساء المجالس (أمر واقع) وهذا التحول هو خطوة إيجابية في مسار إصلاح تحتاجه البلاد لينقلها من عهد مركزية شديدة دامت عقوداً وصنع فيها كل شيء بالعاصمة وفرض على المحليات، إلى عهد تدار فيه المناطق محلياً وترتبط استراتيجياً مع المركز وتتكامل مع محيطها.

فهؤلاء هم أبرز تحدي أمام البدء التدريجي في تطبيق اللامركزية الإدارية وتفعيل القانون 107 غير المفعل منذ عام 2011 حتى الآن، ومواجهة هذا التحدي تكون بخطة منهجية لتدريبهم وبناء قدراتهم على مفهوم اللامركزية الإدارية وتمكينهم من أدوات العمل وفتح أفاق القانون 107 أمامهم ليكونوا قادرين على إدارة العملية بالشكل المطلوب والمنتِج، فهذه المرحلة تتطلب منهم التشارك مع المجتمع والعمل اقتصادياً ومجتمعياً وتنموياً، واستثمار الموارد المحلية والتخطيط وووإلخ، وكلما كانوا متمكنين أكثر ويمتلكون قدرات كلما انعكس ذلك إيجاباً على المجتمعات المحلية السورية.

اقرأ أيضاً: لأول مرة في “سوريا” ورشة لتدريب مرشحي الإدارة المحلية

الإعلام واللامركزية الإدارية

خلال مختلف التجارب السابقة وعند الإعلان عن أي مشروع أو توجيه يقدمه رئيس الجمهورية للحكومة كان دور الإعلام يقتصر على بث مباشر بعد الخطاب وحديث تنظيري وتحشيدي حول المضمون مع تركيز سياسي، ومن ثم يتم وضع الملف في الدرج وينتهي الدور صبيحة اليوم التالي.

المطلوب من الإعلام أكبر بكثير من تغطية مرحلية وآنية، ولكي يكون قادراً على تحقيق المطلوب يجب أن تُبنى قدرات العاملين فيه مركزياً ومحلياً، فعلى سبيل المثال يمكن اختيار عدد محدد من العاملين في المركز (دمشق) لتدريبهم على اللامركزية وكيفية التفاعل مع هذا التحول إعلامياً، وكذلك اختيار مجموعات من المناطق وتدريبهم في مناطقهم على اللامركزية وكيفية التفاعل الإعلامي معها وتمكينهم من أدواتها ومن تعزيز الدور والمساحة في الوسائل الإعلامية حتى تتم عملية المراقبة والمتابعة والمواكبة وحتى أبعد من ذلك نشر المعرفة وبناء العلاقة بين المواطن والمجالس والوحدات الإدارية ودعم عملية التنمية المحلية … إلخ.

اقرأ أيضاً: دمشق تدفع ثمن تفريغ الإعلام والمجتمع المدني من دورهما

العلاقة بين المجالس والمجتمع المدني

اعتدنا خلال العقود السابقة أن تكون المجالس المحلية شبه مغلقة في وجه المواطن والمجتمع المدني، لكن ظروف البلاد والمحليات تثبت كل يوم الحاجة للشراكة بينهما من أجل إطلاق عملية التنمية وتحقيق تقدم بها، والشراكة لا تعني هنا أن ينصهر الاثنان مع بعضهما وإنما أن يبقى كل منهما منفصلاً عن الآخر وأن يتشاركا في عملية التنمية والنهوض في المجتمع (بالتخطيط، في بناء القدرات، في تحديد الأولويات، في رسم الخارطة التنموية المحلية والوطنية، في دعم المشاريع الصغيرة، في مواجهة التحديات المحلية.. إلخ).

وبالتالي هناك مورد أساسي أمام هذه المجالس المحلية متمثل بالمجتمع المدني من جمعيات وناشطين وأكاديميين ونقابات … إلخ، الانفتاح عليهم والعمل المشترك معهم يقوي الدور ويحقق التكاملية التي من شأنها أن تساهم في سد الاحتياجات وتطوير عملية التخطيط وتحقيق تنمية متوازنة، وخلق بدائل في ظل الحصار وصعوبات إعادة الإعمار.

اقرأ أيضاً: ابن يحاضر بوالده عن المجتمع المدني والأهلي !!؟؟

الشفافية

خلال قرابة 20 عاماً لم يمضِ أسبوع في سوريا دون ذكر كلمة شفافية أكثر من 70 مرة على شاشات التلفزة وفي وسائل الإعلام وتصريحات المسؤولين ويوميات السوريين، لكن هذه الشفافية لم تجد طريقها إلى أرض الواقع نهائياً، فعلى سبيل المثال هل يستطيع أحدنا اليوم معرفة كيفية صرف موازنة أي وزارة من وزارات الدولة السورية !، بالتأكيد لا وعدم المعرفة يعني غياب الشفافية وهكذا.

في عمل المجالس المحلية الشفافية بداية الطريق لبناء العلاقة مع المجتمع ودفعه للتفاعل مع هذه المجالس إيجابياً بدل أن يكون مقاوماً سلبياً لعملها، والشفافية تعني أن تكون كل معلومات هذه المجالس علنية فهذه المعلومات لا تؤثر على الأمن القومي ولا غيره حتى يتم التستر عليها ومشاركتها مع الناس تبني الثقة وتجعل المواطن شريكاً وعارفاً بالوقائع وربما مساهماً أيضاً.

بحيث تكون الموازنات علنية، العقود علنية، محاضر الاجتماعات، الخطط، أرصدة الأعضاء…. إلخ، على سبيل المثال يمكن نشرها من خلال موقع إلكتروني، أو صفحة فيس بوك أو في جريدة بسيطة دورية تصدرها المجالس وتكون متاحة للجميع، ويستطيع أي مواطن أن يسأل عن هذه المعلومات ويحصل عليها دون موافقات من أحد لا أمنية ولا إدارية.

اقرأ أيضاً: محافظ اللاذقية يحول مجلس المحافظة إلى “صفر عالشمال”..

العلاقة بين المركز والمحليات

اللامركزية الحقيقة تحتاج مساحة عمل حقيقية وليست شكلية، وبالتالي فإن تحديد أسس العلاقة بين المركز (دمشق) والمحليات (المحافظات والمدن والبلدات) عملية جوهرية ومحددة للتطبيق، فالمركز اعتاد أن يكون متغولاً على المحليات التي اعتادت أيضاً أن تكون تابعة له، وبالتالي سيكون صعباً على المركز قبول أن المحليات أخذت صلاحيات ولا ترجع في التفاصيل إلى دمشق.

والتحدي الثاني متمثل بعلاقة المحليات مع سلطة المحافظ أيضاً، والتي لا يجوز أن تقوم على التبعية وتلقي الأوامر وإنما على المتابعة والرقابة والتنسيق بين المناطق ضمن الخطة الاستراتيجية المحلية وكذلك الدعم.

وانطلاقاً من ذلك فإن وضوح محددات هذه العلاقة (إدارياً) بين المركز والمحليات وبين المحافظ والمجالس المحلية، والالتزام بالدور، شرط أساسي من شروط نجاح المشروع، وهذا لا يعني أن يكون كلٌ يغني على ليلاه إنما ضمن الخطة الوطنية والخطة المناطقية والخطة المحلية وجميع هذه الخطط يجب أن تتقاطع مع بعضها، من أجل تحقيق الغاية المنشودة.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يشارك الشباب في انتخابات الإدارة المحلية؟

الشعور بالتمثيل

اللامركزية الإدارية تُعدّ فرصة هامة لشعور المواطنين أنهم ممثلين في السلطة التي تحكمهم، فبلا أدنى شك هناك هوة وثغرة بين السلطة المركزية والمواطنين نظراً لعوامل عديدة من ضمنها ما تمر به البلاد حالياً من ظروف سياسية وعسكرية واقتصادية.

إلا أن وجود سلطة محلية متفاعلة مع المواطنين ومتشاركة معهم وتأتي من ضمن هذه المناطق وبإرادة الناخبين من شأنه أن يبدد الشعور بعدم التمثيل، خصوصاً إذا ما اقترن الأمر بعملية استجابة منظمة للاحتياجات وبتعزيز دور المواطن في الرقابة المنصوص عليه بالقانون أصلاً وبعملية انتخابية دورية وموثوقة، وهذا الأمر سيكون عاملاً مهماً في بناء الاستقرار سواء في المناطق التي شهدت تسويات مؤخراً، أو المناطق التي تشهد استقراراً.

كل هذه المعطيات من شأنها أن تساهم إيجابياً في عملية إعادة الإعمار، بحيث يتم التخطيط لها محلياً بطريقة تراعي خصوصية كل منطقة وكل مجتمع، وتستفيد من الموارد المتاحة والبيئة المحلية.

اقرأ أيضاً: انتخابات سوريا على الأبواب.. فرصة الشعور بالتمثيل

فرصة

التحول نحو لامركزية إدارية يعد فرصة هامة جداً للتقليل من الفساد وتطوير آليات الرقابة والتخطيط والاستثمار والتنمية والحفاظ على الخصوصية…إلخ، لكن هذه الفرصة مقرونة بإرادة حقيقية وبعوامل أخرى منها ما تم ذكره ومنها ما يحتاج أن يوضع على طاولة النقاش، لكن بالمجمل إن الإعلان عن هذا التحول مهم جداً على صعيد الإصلاح والتطوير الذي تحتاجه البلاد وهي خطوة طال انتظارها والتعويل على نجاحها كبير وتبقى العبرة في التطبيق الذي نأمل أن يكون على أكمل وجه.

اقرأ أيضاً: دور المرأة في الإدارة المحلية بسوريا.. حضور خجل ومجالس ذكورية

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع