سوريا وتاريخ من اللامركزية .. دولة مدنية وإدارات محلية

مدينة تاريخية بناها الكنعانيون

محطات من التاريخ السوري الذي يميل للامركزية أو الإدارة المحلية الموسعة على حساب المركزية الشديدة

سناك سوري – حسان يونس

في غابر الأزمان اعتقد السومريون بقدسية الملكية – وليس الملك – وبنزولها من السماء، وجاء في جداول الملوك السومرية بأن الملكية هبطت من السماء وحلت في مدينة “اريدوا”، ثم ارتفعت إليها بعد أن حل الطوفان بسبب لعنة الآلهة على البشر، ثم عادت لتحل من جديد في مدينة “كيش”.

وانطلاقا من هذا الاعتقاد سيطرت نظرية التفويض الإلهي على أول منظومة للحكم في منطقتنا كما وردت لدى السومريين في جنوب العراق، ومن اللافت أن هذه النظرية لا تزال سارية المفعول ضمناً في العالم العربي، ويقول بها دعاة الخلافة الإسلامية علنا.

ظهرت هذه النظرية في مقدمة وثيقة إصلاحات “أوركاجينا” (2355 ق.م )، صاحب أقدم إصلاح اجتماعي واقتصادي معروف إلى الآن، حيث ذكر في وثيقته أنه أعاد العدل والحرية للمواطنين، وأزال عنهم المظالم، خاصة ما يتعلق بالضرائب المفروضة على الشعب خلافاً للقانون، وذكر “أوركاجينا” في إصلاحاته أنه قنّن القوانين التي وفرت للشعب الحرية والعدالة، واستمرت نظرية التفويض الإلهي في قانون أور ـ نمو (2111 ـ 2003 ق.م ) وفي قانون لبت عشتار (1934 ـ 1924 ق.م ).

بالتوازي مع هذه المنظومات القانونية عرف السومريون منظومة حكم (دويلات المدن)، في الألف الثالث قبل الميلاد في عصر ما يسمى فجر السلالات، بدءاً بسلالة أور السومرية الأولى 2650 ق.م، فكان لكل مدينة حاكمها وجيشها وأرضها، وكانت تراتبية الحكم تبدأ بالاين (EN) وهو الكاهن الأعظم والحاكم في دويلة المدينة الذي يجمع بيده السلطتين الدينية والدنيوية، ويتم اختياره من قبل مجلس عام في المدينة، وبسبب التوسع الحاصل في أراضي الدولة المدينة انفصلت السلطة الدنيوية عن الدينية، وتقلدها شخص أطلق عليه لقب الإنسي ( ENSI) أي الأمير، وأصبح الكاهن الأعظم والإنسي وكلاء الآلهة في حكم المدينة، حيث كان الملك المشرع “أوركاجينا” أحد كهنة مدينة لكش قبل أن يصبح أميرا (انسي ) ومن ثم ملكا (لوكال) .

رغم هذه الوكالة الإلهية، بدأ نظام الحكم في دويلات المدن ديمقراطياً إلى حد ما، لأن السلطة لم تكن حكراً على الملك، وكان هناك عدد من المجالس تساهم في إدارة دويلة المدينة، وهما مجلس الشيوخ الذي يشمل كبار السن من أصحاب الرأي والمشورة، ومجلس المحاربين ويشمل الشباب، وكان لهذه المجالس سلطة اتخاذ القرارات المهمة والخطيرة، فقد انتخب الملك “أفوركيش” على عرش لكش بناءاً على اختيار هيئة أعيان المدينة، وتم عزل حاكم مدينة “كيش” “لوكالاندا” بقرار من الهيئة ذاتها، كما أن “كلكامش” عندما ترك “أور” للحرب أناط سلطاته إلى مجلس شيوخ المدينة.

مع تطور دويلة المدينة وتوسع أراضيها أكثر تم استحداث منصب أكثر شموليه يسمى الملك، المعروف سومريا بـ (اللوكال LUGAL) صاحب الصلاحيات والامتيازات الواسعة، التي سمحت له بنقل السلطة إلى نظام مستبد وراثي خلال تطور طويل الأمد، أنتج نظاماً ملكياً وراثياً يمارس فيه الملك وظيفة الكاهن الأعظم (وهو ما استمر في نظام الخلافة الإسلامية )، وهكذا انتقل نظام الحكم في الدويلة المدينة من نظام ديمقراطي ينتخب الكاهن إلى نظام ثيوقراطي يحكمه الملك الكاهن المستبد وفق نظام ملكي وراثي مطلق .

هذا التحول شجع الملك السومري “أوما لوكال زاكيزي” على مد نفوذه وتوحيد دويلات بلاد سومر وانتهاج حكم مركزي لضمان وتقوية الوحدة الداخلية منعاً للصراعات الداخلية والأخطار الخارجية، وهو نظام تكرس لأول مرة في التاريخ على يد خليفة “لوكال زاكيزي” القائد “سرجون الأكدي” 2371 ق.م ملك سومر وأكاد ومؤسس أول إمبراطورية في التاريخ امتدت على كامل الهلال الخصيب .

هذه الدولة المركزية الموحدة سياسياً استكمل توحيدها القانوني الملك الأموري (القادم من غرب بابل) حمورابي (1797-1750) ق.م في أول دستور تخضع له دولة مركزية من خلال شريعته المشهورة التي طبقت في كافة أرجاء الدولة البابلية، والتي جاءت ضمن إطار نظرية التفويض الإلهي بإيحاء من الإله، لكنها في موادها المائة واثنان وثمانون كانت شريعة مدنية ركّزت -أسوة بإصلاحات اوركاجينا- على العدالة وحماية الضعفاء وتوازن الفرد مع المجتمع والمسؤولية الاجتماعية والتضامن الاجتماعي وعدالة الضرائب ومنع الاحتكار، فكانت نموذجاً لشريعة المستبد العادل الذي يحتفي به الشرق في تاريخه القديم والحديث، والذي تفتقده حالياً الأنظمة المبنية على الاحتكار وطغيان الأقلية الأليغارشية، وهي أنظمة شائعة بكثرة سواء ارتدت ثوباً ديمقراطياً أو دكتاتورياً.

لامركزية بلاد الشام

إن هذه الدولة المركزية ذات الوحدة السياسية والقانونية التي سادت العراق، والتي انتقلت مراكزها بين “أكاد وبابل وآشور” مرات عدة، لم تعرفها بلاد الشام التي استعارت من السومريين حكم (دويلات المدن)، فكانت الممالك الكنعانية والآرامية والأمورية تعتمد نظام الدولة المدنية ذات الإدارات المحلية، والتي تشكل معاً نظاماً دفاعياً مشتركاً في بعض الفترات المصيرية، كمعركة “مجدو” مع المصريين بقيادة “تحوتمس” الثالث ( 1468 ق.م) التي شارك فيها تحالف مكون من 33 مدينة سورية بقيادة مدينة “قادش” على نهر العاصي، ومعركة قادش (1285) ق.م بين المصريين والحثيين التي شاركت فيها ممالك المدن السورية على الجبهتين، ومعركة قرقر (853) ق.م ضد الآشوريين بقيادة الملك الآشوري “شلمنصر” الثالث التي شارك فيها تحالف مكون من 11 مدينة آرامية بقيادة آرام دمشق، والتي تكررت لاحقا (849) ق.م.

اقرأ أيضاً: ثلاث تحولات كبرى في تاريخ سوريا – حسان يونس

يشار إلى أن أنظمة دويلات المدن الكنعانية والأمورية ذات التقاليد التجارية العريقة كانت أنظمة ملكية، مطعمة بمجالس الأعيان من العائلات الغنية التي تختار الملك وتنفق على الجيش والأسطول، وهو نظام تطور في “قرطاج” بين عامي (480-290 ق.م) مقدماً نموذج ديمقراطي متقدم مكوناً من عدة مجالس حكم وجمعيات ناخبة وهو نظام سابق للنظام الجمهوري الروماني.

خضعت ممالك المدن السورية خلال كل تلك الحقب للنفوذ الإمبراطوري الخارجي، الأكادي والبابلي والآشوري والحثي والمصري والفارسي، ولم تشهد سورية دولة مركزية موحدة إلا مع قدوم اليونانيين الذين أسسوا نظام حكم مركزي في الدولة السلوقية (312-64) ق.م، إلا أنه لم يمنع ظاهرة الدولة المدنية التي مثلتها مدينة البتراء (312ق.م – 106 م)، ولاحقا في ظل النفوذ الروماني والبيزنطي استمرت ظاهرة المدن الحرة ذات امتيازات الحكم الذاتي، كالبتراء بعد 60 م وتدمر في عهد زنوبيا قبل توسعها الإمبراطوري ومدينة حمص في عهد عائلة الأباطرة السوريين الذين حكموا روما (سبتموس)، وفي زمن الخلافة الإسلامية وبعد أن ضعفت سلطة الخليفة في نهاية الدولة العباسية عاد نظام المدن المستقلة إلى الظهور وتشكلت لاحقا “الاتابكيات” تكريساً لهذا النظام .
إن ذلك في مجمله مؤشر على أن طبيعة التاريخ السوري تتجه نحو النظام اللامركزي، أو نظام الإدارة المحلية الموسع، وأما النظام المركزي الشديد فهو دخيل على الثقافة السورية وكان دائما يَفِدُ إلى سورية من خارج الإقليم أو من الامتداد العراقي.

اقرأ أيضاً: ‏المرأة في التاريخ السوري نافذة حضارة – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع