“سوريا”.. مدفع رمضان الصدفة التي تحولت إلى عادة

مدفع رمضان

زحمة مدافع في بلادنا.. وحده مدفع رمضان كان يوحد الجميع على مائدة الإفطار.. ألا ليته يعود يوماً!

سناك سوري- دمشق

غاب صوت مدفع “رمضان” عن السوريين منذ بداية الحرب في البلاد عام 2011، وحلت محله أصوات مدافع مختلفة الأنواع، والعيارات والشدة.

المدفع الذي شكل علامة بارزة من علامات شهر “رمضان” في “سوريا”، ظل محافظاً على نفسه كعادة أصيلة من عادات الشهر بالرغم من انتفاء الحاجة له، في ظل إمكانية معرفة التوقيت الصحيح للإفطار والسحور بالدقيقة والثانية، في كل مدينة، وقرية، بالإضافة للمدفع هناك مجموعة من العادات والطقوس الخاصة بـ”رمضان”، كالمسحراتي وغيرها من العادات التي خف وهجها في السنوات الأخيرة.

صوت المدفع وشكله وطريقة إطلاقه، كان يأخذ حيزاً واسعاً في مخيلات الأطفال الذين كانوا ينتظرونه بفرح على الشرفات والأسطحة، يراقبون الدخان المنطلق من فوهته، كإعلان انتهاء الصيام والبدء بوجبة الإفطار المليئة بمختلف أنواع الأطعمة عندما كانت العائلة السورية تحتفي بـ”سفرة رمضان”، وتزينها بمختلف الأصناف والأنواع، قبل أن تتدهور أحوال الناس المعيشية بفعل الظروف الحالية، وعلى عكس ما يعتقده البعض، فإن المدفع الذي يصدر ذلك الصوت لم يعد ذلك المدفع المستخدم في الحروب كما كان في الماضي، بل هو عبارة عن أسطوانة حديدية يوضع بداخلها البارود المجهز المحضر، بأسلوب تقني وهو مرتبط بفتيل يتم إشعاله من قبل العامل المختص فيخرج البارود من الاسطوانة وينفجر في السماء معلناً حلول موعد الإفطار، أو السحور.

تختلف الروايات التاريخية حول نشأة التقليد الرمضاني المحبب، ولكن معظمها يعتبر مدينة “القاهرة ” المصرية، أولى المدن التي شهدت هذا التقليد، لينتقل بعدها إلى بلاد  الشام كمدينة “دمشق” و”القدس” وغيرها من المدن، ثم وصل إلى “بغداد” في أواخر القرن التاسع عشر، لينتقل إلى دول الخليج عن طريق “الكويت” أولاً في عام 1907، وبعدها إلى كل من “اليمن” و”السودان”، ثم دول أفريقيا وشرق آسيا، حيث بدأ إطلاق المدفع في “اندونيسيا” في عام 1944، بحسب موسوعة “ويكيبيديا” العالمية.

اقرأ أيضاً: كيف كانت ملامح الحياة في “حلب” حين احتفلت برمضان قبل الحرب؟

وحول المرة الأولى التي تم إطلاق المدفع، تتفق العديد من الروايات على أنها عن طريق الصدفة أو الخطأ، بينما تختلف حول الزمن الذي حدث فيه الخطأ، فبعضها يرجع الأمر لعام 856 هـ، في عهد السطان المملوكي “خو شقدم” الذي أراد أن يجرب مدفعاً جديداً وصل إليه، وقد صادف إطلاق المدفع مع وقت المغرب في أول يوم من شهر “رمضان”، فظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، وخرجوا إلى مقر الحكم لشكره على ذلك، وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذاناً بالإفطار.

وفي رواية أخرى، يعود إطلاق المدفع للصدفة البحتة عام 1805 خلال حكم “محمد علي باشا” لمصر عندما أراد تجربة أحد المدافع التي وصلت إليه من “ألمانيا”، ليصادف ذلك في وقت الغروب، في أول أيام شهر رمضان، فقرر الاستمرار في ذلك بعدما لاقى الأمر قبولاً عند المصريين ولم تختلف الرواية الثالثة عن سابقتيها، باعتبار الصدفة هي من كانت وراء هذا التقليد، ولكنها اختلفت بالشخصيات حيث يعود الأمر لعهد الخديوي “اسماعيل” عندما كانت تتم صيانة أحد المدافع فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء “القاهرة”، وتصادف أن كان ذلك وقت آذان المغرب في أحد أيام “رمضان”، فظن الناس أنه تقليد جديد للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك، وقد علمت الحاجة “فاطمة” ابنة الخديوي “اسماعيل” بما حدث، فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرمانًا يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، وقد ارتبط اسم المدفع باسم الأميرة “فاطمة”.
من المفيد الإشارة لتعرض الرويات الكثيرة المنتشرة حول هذا الأمر على مواقع الإنترنت، لبعض الانتقادات لجهة عدم دقتها العلمية الكاملة، وعدم استنادها لوثائق تاريخية يُعتد بها.

مهما يكن من أمر النشأة الأولى، فإن مدفع “رمضان” بقي صوتاً محبباً للجميع، وغالباً ما اختارت الحكومات مكاناً معروفاً، وذا رمزية لإطلاقه منه، كالقلاع كما في قلعة “دمشق” والقلعة الأثرية في “جبلة”، لينتقل بعدها إلى الحدائق العامة وغيرها من الأماكن.

على أمل أن تهدأ اصوات الحرب القائمة منذ سنوات، وتسكت أصوات المدافع، ليتسنى لمدفع “رمضان” العودة كما كان، واحداً من علامات الشهر الكريم.

اقرأ أيضاً: السوريون في “رمضان”… طقوس تعود بعد غياب ومدن تشهد تغيرات في موائدها

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع