سوريا: مدارس حكومية تستخدم المسرح والغناء في تحفيز الطلاب على تعلم لغة أجنبية

فريق مسرحية "مخطوطة" الذي حقق تقدماً باللغة الفرنسية- السويداء

طلاب تحسنت لغتهم الفرنسية بدرجة ممتازة وقدموا أعمالاً فنياً “بالفرنسية” ضمن مشروع لتحسين علاقة الطلاب مع اللغة

سناك سوري – رهان حبيب

تصف “منار الجباعي” طالبة الحادي عشر العلمي الكتابة المسرحية بالنافذة الأوسع على اللغة الفرنسية وعلى الفن المسرحي، التي نقلتها من طالبة إلى كاتبة نص مسرحي.
التجربة التي تناولتها الطالبة تضيء على نشاط واسع رعته وزارة التربية على مستوى المدارس الإعدادية والثانوية، تخصص في الغناء والمسرح باللغة الفرنسية ما ساهم بالارتقاء في تعليم اللغة الفرنسية للتلاميذ وجعلهم أكثر اتقاناً لها.

بدأت الفكرة من خلال الحاجة لممارسة اللغة في الصف، بعد أن ظهرت حالة من التردي و الضعف بين الطلاب الذين كانوا يكتبون “تصويريا” دون القدرة على اللفظ الصحيح، ولا حتى القراءة الصحيحة، يقول “مروان مكارم” موجه اللغة الفرنسية في تربية “السويداء”: «كنا نعاني من عدم التوازن بين القدرات السمعية والقدرات الشفهية فتولدت الحاجة لتعديل المنهاج، و إلى تطوير طرائق التدريس وتفعيل الجانب الشفهي ولا بد من إجراء الاختبارات المتعلقة، بذلك فظهرت فكرة مسابقة المسرح المدرسي التي تمت بجهود مضنية لكنها نجحت».
خلال التجربة تفتحت ابداعات الطلاب المكنونة، وأبهرونا بذلك الكم الهائل من المخزون الإبداعي لديهم. وجدناهم في قمة عطائهم، كتبوا النصوص ومثلوا وغنوا وأظهروا حسا” عاليا” بالمسؤولية، وهذا ما شجع التربية على تبني الفكرة لتصبح تقليدا” سنويا” بقرار وزاري مشجع، ودعم مادي ومعنوي وتسهيلات للمشاركة وتغطية إعلامية كثيفة وتعاون من قبل مديرية الثقافة».

اقرأ أيضاً: الوصول إلى مدارس “المتفوقين”.. الحلم الذي يدفع للمزيد من التميز الدراسي

تقول “ياسمين غنام” ثالث ثانوي علمي: «تجاوزنا مع تجربة المسرح تفاصيل كثيرة في التعامل مع اللغة، وعبرنا من خلالها إلى المسرح الذي بدأت أحبه وأحب تقديمه بالفرنسية».

توسعت قاعدة المشاركات لتضم إلى جانب المسرح جوانب إبداعية أخرى كالغناء والعزف والرسم والتحقيقات الميدانية والحياة الواقعية والمشاهد التمثيلية والخطابة والشعر، وكل ما من شأنه حث الطلبة على التحدث باللغة الفرنسية.

التجربة امتدت خارج السويداء وشارك طلاب المحافظة في المسابقة الوطنية التي حصدوا فيها 7 جوائز، منها ثاني أفضل عرض مسرحي وأفضل ممثلة وأفضل كاتب سيناريو وأفضل تقديم وافضل أغنية، يقول “مكارم” معلقاً:«بناءً على النتائج يمكننا القول التجربة نجحت بشكل باهر وتطورت هذا العام بقرار تعميم تجربة اللغة الفرنسية على باقي أقسام اللغات الانكليزية / العربية / الروسية أي أننا سنشهد هذا العام مهرجاناً كبيراً للمبادرات على مستوى القطر».

الطلاب كانوا الحامل للغة والمدرسون كان المحرض

الفكرة انطلقت عام 2012 وبذلت جهود تدريسية وتخطيطية حثيثة لجعل الطلبة أبطال هذه التجربة واطلاق العنان لهم، يقول مدرب طرائق التدريس “عماد نداف” لـ سناك سوري إنه تم تحضير المدرسين بشكل مسبق وهم بدروهم أوحوا للطلاب أن يعملوا ضمن العناوين الدراسية لاستنباط الأفكار من الحياة الطبيعية بحيث يعيد الطالب صياغتها بأسلوبه الخاص، وكانت النتيجة كما أردناها وقدم لنا الطلبة شحنة إيجابية بأسلوبهم المبدع وأشعرونا بالرضى عن هذا الانجاز.

يتابع “النداف” موضحاً: «على سبيل المثال فكرة وضعت لمشروع العمل المسرحي “مخطوطة” لطالبة تتقمص المسار والشخصيات، وبالنهاية نصل معها إلى حالة انفلات للشخصيات، بنمط إبداعي أدبي ومسرحي».

اقرأ أيضاً: سوريا: ثانوية ريفية تحقق نسبة نجاح 100% بينما تغرق مدارس الريف بالأزمات

نجاح التجربة لا يعني أن السماء صافية

عندما تتطور التجربة لعروض مسرحية وغنائية وبروفات تستهلك وقت الطلاب لابد من التحضير التربوي والتعليمي والأهم التحضير المادي واللوجستي، من حيث توفير أماكن البروفات والعرض، خصوصاً وأن الطلبة متحمسون لها وفقاً للمدرس “فجر أبو عاصي” الذي أشار إلى أنه عندما عرض الفكرة أولاً على طلابه وصله على الفور نص من طالبين “شام مرشد” و”همام العماطوري” وكان باكورة عمل المسرح للسنة الأولى بعنوان “سأعزف” والحافز تضاعف تدريجياً، لكن هذا الأمر يستهلك وقتا ًوجهداً من يوميات الطالب ومدرسته وحياته الخاصة.
يقول “أبو عاصي”: «عبر أهالي الطلاب عن الحاجة لتعويض الدروس للطالب المشارك وتعطله وقت البروفات، وهذا أمر لم يتحقق وشكل عبء للطلاب والأهل الذين امتثلوا لحماس أولادهم للمشاركة والإبداع».
بينما يشرح “إياد البحري” طالب حادي عشر علمي: «بمشاركتي بالعمل المسرحي تحسنت اللغة الفرنسية لتوازي الإنكليزية الأكثر انتشاراً، لكنني عانيت من ضيق الوقت وضغط الدراسة، وكنت أتمنى مساعدة أفضل على مستوى تعويض الدروس».

التطوع كان عنوان… كيف نجد فرصة الاستمرار..

يرى “وضاح عزام” مخرج متطوع لصالح المسرح الطلابي، أن التجربة جيدة بمقاييس العمل الذي نفذه الأساتذة مدرسين ومتطوعين في العملين المقدمين خلال العامين الفائتين، لكن التحضير والدعم كان أضعف من حماس الطلاب وفريق العمل، يقول “عزام”: «كان هناك صعوبات تبدأ من تأمين مكان مناسب للبروفة مع العلم بوجود مسرح التربية من جهة، وصولاً إلى معاناة التنقل للطلاب القادمين من القرى والذين حرموا من المشاركة وخسرنا بذلك جزء كبير من المواهب المميزة».

كما أنه لم يكن هناك فرصة لجعل العرض جماهيري وفسح المجال أمام الجمهور لمشاهدته بشكل واسع وحتى تنويع العروض لاحقاً، حيث أن العرض اقتصر على اللجنة المعنية وضمن المسابقة فقط، بحسب “عزام”.

“عزام” رأى في المشروع فرصة أظهرت مواهب فنية من الخطأ إهمالها، وعلى العكس تماماً تطوير الفكرة يساهم في زيادة الحافز للطلبة في مرحلة التحضيرات والاختيارات بحيث يهتموا أكثر وتطور لغتهم أكثر في سبيل أن يكونوا جزءاً من هذا العرض، وبالنسبة لنا شكلنا فرضة “ضوء” التي ضمت وتضم المشاركين في هذه المسابقات كون الخامات الفنية واللغوية للطلاب جيدة جداً ويمكن البناء عليها.

اقرأ أيضاً: “دروس المتابعة” تقضي على عملية التعلم.. حشو صباحي ومسائي وتلقين ببغائي

الموسيقا أيضاً تساهم في زيادة التعلم

ساهمت الموسيقى أيضاً في تحسين مستوى تعلم اللغة الفرنسية في عدد من مدارس محافظة السويداء التي انخرطت في التجربة، حيث عمل الطلاب على كتابة الأغاني بالفرنسية أو ترجمتها، أو أداء الأغاني باللغة الفرنسية وغيرها من أدوات التعلم عبر الموسيقى ومساحتها، وقد حققت الطالبة “سارة الجربوع” نجاحا ًعلى مستوى واسع في كتابة نوتة باللغة الفرنسية خاصة بعمل مسرحي، وهي عازفة تشيلو ليتقاطع المسرح والموسيقا على خط المبادرات الفرنسية.
يقول أستاذ الموسيقا “أدهم عزقول”: «أصبح لدينا عدد كبير من الطلاب قادرين على الغناء باللغة الفرنسية، جزء منهم شكلوا الفريق الذي نال المركز الاول، طبعاً هم غنوا أغاني المنهاج بشكل أساسي، ويمكننا القول إننا طورنا اللغة الفرنسية بالاعتماد على الموسيقى على صعيد فردي وجماعي بين الطلبة، وكمدرس ومشارك بلجان تأليف المناهج ذهلت بإبداع الطلبة وأتوقع أننا في العام القادم سنقدم عمل أكثر جمالا وزيادة شريحة المستفيدين».

أبعد من التعلم “مهرجان”

التجربة لم تنتهِ عند هذا الحد حيث تقول “هبة دنون” وهي مدرسة اللغة الفرنسية في مدينة “شهبا” أن طلابها يتابعون بروفات التحضير لمهرجان، وأنهم يزدادون قرباً للغة ومفرداتها وثقافتها، حيث أصبحت جزءاً من يومياتهم وحياتهم وبالتالي سهل اكتسابها عليهم وتطوروا فيها بشكل واسع.
أخيراً: حسب مصادر التوجيه للغة الفرنسية تم رصد المشاركات لهذا العام التي بلغت 19 مدرسة ستقدم أكثر من ستين فقرة، ضمن المهرجان المحلي للمبادرات، بحيث تقدم العروض أمام لجنة فنية ولغوية وتربوية سيتم اختيارها بعناية، في الوقت الذي تتوافر فرصة ما يقارب 44 مبادرة طلابية تشمل كافة الصفوف مع مشاركة من الجامعات واتحاد الطلبة الشبيبة والطلائع ونقابة الفنانين، مبادرات هي عبارة عن معارض ومناظرات وحوارات ومشاريع وحلقات بحث وتمثيل ودراما وشعر وخطابة وباقة متنوعة من المبادرات الطلابية في محاولة حديثة تخط عامها الثالث على أمل الوصول لنتائج مشرقة لا تقاس فقط بالجوائز في حالة من التوسع العمودي المتناسب مع توسعها الأفقي لإنتاج طلاب متحدثين بعدة لغات منها الفرنسية.

اقرأ أيضاً: سوريا: مدرّسة تقدم درس “الموسيقى” بأسلوب تفاعلي وتُنمي مواهب الطلبة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع