سوريا… التدهور بعد الانتصار – بلال سليطين

اطفال يبيعون البقدونس في حمص - سناك سوري

التدهور التدريجي بعد عام 2018 وقانون قيصر

سناك سوري – بلال سليطين

من يعود إلى خطاب الحكومة السورية ووسائل الإعلام التابعة لها والمقربة منها في النصف الثاني من عام 2018 فإنه لاشك سوف يتفاجأ من الحال التي وصلت إليه سوريا اليوم، من تدهور اقتصادي ومعيشي بعدما كانت السلطات تتحدث عن (الانتصار) وترسم صورة نهاية الأزمة السورية أمام أعين الجمهور الذي انتظر تلمس نتائج مغايرة على الأرض.

خطاب الانتصار جاء بعد استعادة السيطرة على قطاعات جغرافية حيوية كانت تسيطر عليها الفصائل المسلحة المناهضة للحكومة السورية سواء في الغوطة خاصرة العاصمة الرخوة أو في حمص وسط البلاد أو في درعا مهد الأزمة السورية.
هذا الواقع لم يعجب اللاعبين الدوليين الأساسيين في الأزمة التي تشهدها “سوريا” فجاء تحذير وزارة الخزانة الأمريكية نهاية عام 2018 للشركات الأجنبية والمحلية ومؤسسات النقل من التعامل مع الحكومة السورية، وقد تبع هذا التحذير أزمة محروقات غير مسبوقة في سوريا وماتزال نتائجها مستمرة إلى يومنا هذا إضافة لتدهور سعر صرف الليرة السورية، كانت هذه رسالة واضحة لا لبس فيها بأن الحرب لم تنتهِ، لكن هل تلقفتها الحكومة السورية؟

اقرأ أيضاً: صناعة الوهم الحرب مستمرة – بلال سليطين

الجغرافيا غير المنتجة عبء

بعيداً عن لغة العسكريين ونظرتهم للأمور، فإن الجغرافية التي عادت إلى سيطرة الحكومة هي جغرافيا واسعة جداً، وخلال فترة سيطرة الفصائل عليها كانت تدخلها بشكل شهري ملايين الدولارت رغم حصارها عبر دول مانحة غربية وعربية، وبالتالي كانت لديها موارد مالية تساهم في تأمين جزء من احتياجاتها، إضافة للدعم الدولي عبر منظمات الأمم المتحدة أو المساعدات العابرة للحدود.
مع سيطرة الحكومة على الأرض انقطعت الموارد المالية الخارجية عن هذه المناطق وبات على الحكومة توفيرها، فهناك كتلة بشرية مليونية تعيش في هذه الجغرافيا، وفي ظل غياب الموارد الخارجية وفتح الطرقات وإنهاء الحصار العسكري كان لابد من تفعيل الموارد المحلية وهذا فعلياً مالم يحدث، فعجلة الإنتاج لم تعد بالشكل  المطلوب والممكن وكذلك العملية الزراعية ولا حتى النشاط الاجتماعي وظل التعامل مع هذه الجغرافية حذراً مشوباً بالمخاطر الأمنية خصوصاً في درعا، وبدل أن تكون مساهمة في الإنتاج أصبحت عبئاً إضافياً على كاهل حكومة تعاني أصلاً من أعباء تأمين الاحتياجات.

اقرأ أيضاً: “اللاذقية” طوابير على الغاز واسطوانات فارغة

رفاهية الوقت

كانت الحكومة السورية بين عام 2018 واليوم تنظر إلى مايحدث دون تفاعل والتقاط للمؤشرات للقيام بأفعال استباقية سريعة فقد كانت على مايبدو مشغولة بالانتصار دون التفكير بما يترتب على المتغيرات من تفاعلات، وعلى سبيل المثال عادت وزارة الخزانة الأميركية في النصف الأول من عام 2019 لإطلاق تحذير جديد للشركات والمؤسات حول التعامل مع سوريا، وكان هذا التحذير بمثابة تأكيد جديد أن أميركا ماضية في سياستها ولن تتوقف وأن الحرب في سوريا لم تنته بعد والصراع ببعديه المحلي والدولي مستمر.

بالنظر إلى الإجراءات الحكومية فإن رئيس الوزراء “عماد خميس” ووزير الزراعة “أحمد القادري” ذهبا إلى حماة وبدا وقتها أنهم تلقفوا الرسائل وما تحمله من مخاطر، وتم الإعلان عن وضع دراسة لتطوير سهل الغاب على اعتبار أنه منطقة زراعية هامة جداً ومن أكثر المناطق الحكومية قدرة على العمل والإنتاج فيها بظل عدم الاستقرار الأمني في درعا وسيطرة الإدارة الذاتية على معظم أراضي الجزيرة السورية وتعثر الحوار بينها وبين الحكومة.

اقرأ أيضاً: الغرب ينفذ سياسة الأرض المحروقة في سوريا.. العقوبات تزيد معاناة المدنيين 

كان الخطوة الحكومية آنذاك (تنمية الزراعة والنهوض بها) وفق مايرى مراقبون تتجه بالاتجاه الصحيح لتوفير مقومات الصمود، إلا أنها لم تأخذ بعين الاعتبار عدم وجود رفاهية الوقت وأن الخطة يجب أن تكون لكل متر قابل للزراعة في مناطق سيطرة الحكومة، وانتظر السوريون من حزيران 2019 إلى حزيران 2020 حتى تنتهي الدراسة المتعلقة بسهل الغاب، وهذا يعني أن سوريا تحتاج أقلها إلى حزيران 2021 لتلمس نتائج تطبيقها على الأرض، بينما البلاد اليوم بأمس الحاجة لكي تكون نتائج هذه الدراسة تحصد آنياً وليس مستقبلاً.

اقرأ أيضاً: التَنمُّر على الإصلاحيين – بلال سليطين

فرصة ضائعة

شكلت انتخابات الإدارة المحلية عام 2018 فرصة لإدماج الجغرافيات المحلية العائدة لسيطرة الحكومة السورية في المنظومة العامة من خلال إنتاج سلطة محلية جديدة تعبر تعبيراً حقيقياً عن المواطنين هناك، فسكان هذه المناطق مختلفون تماماً عن المناطق التي لم تخرج عن سيطرة الحكومة، والتعامل معهم بعقلية ماقبل 2011 لم يزدهم إلا سلبية، وللأسف هذا ماحدث فعلاً ولم تراعَ الخصوصية وبالتالي خسرت سوريا وهذه المناطق مساهمة السكان فعلياً في تحريك الواقع الراكد تحريكاً إيجابياً، فعدم إشراك الناس في السلطات المحلية (الإدارة المحلية) أدى لغياب الحافز والثقة لديهم، بينما شعورهم أنهم ممثلين بالسلطة على اختلاف مواقفهم سيزيد من حافزهم، وسيجعلهم شركاء في التخطيط والتنفيذ للنهوض من واقع الدمار الحالي والعطالة الجغرافية، فعملية إشراك المواطنين في اتخاذ القرار من أهم عناصر مساهمتهم في العمل والنهوض، وكان من الممكن للناس أن يقدموا آلاف الحلول للواقع من الأسفل بدل أن تدار الأمور كلها من الأعلى وتفرض على الأسفل، وهي سياسة مجربة ولم تنجح.

اقرأ أيضاً: انتخابات سوريا على الأبواب.. فرصة الشعور بالتمثيل

في الوقت ذاته لم يكن هناك أي جهد يذكر على صعيد الحوار السياسي بما في ذلك داخلياً، وكانت التصريحات سلبية بهذا الاتجاه وتم تغييب هذا الخيار عن المشهد تماماً، وهو ما انتقده قبل أيام السياسي السوري المعارض “فاتح جاموس” الذي اعتبر أن عدم إقبال السلطة على الحوار يعمق من المشكلة السورية، إضافة لتعثر اللجنة الدستورية التي شكلت بارقة أمل في البداية وانتكاسة لاحقا..

قانون قيصر عامل التدهور الجوهري

وعلى الرغم من كل ماسبق فإن قانون قيصر والإجراءات الأميركية والغربية كانت وماتزال العامل الرئيسي في التدهور الحاصل، وبالعودة لاستعراض هذه الإجراءات ومفاعيلها فإنه في العام 2018 أطلقت وزارة الخزانة الأميركية تحذيراً للشركات ومؤسسات النقل وغيرها حول التعامل مع حكومة سوريا فتدهور سعر الصرف خلال ساعات وشهدت سوريا أزمة محروقات، ومن ثم عادت وجددت التحذير بلهجة أشد في النصف الأول من عام ٢٠١٩ وظهرت النتائج الاقتصادية فورا، ومع نهاية العام ٢٠١٩ أقر قانون قيصر وألحق بقانون وزارة الدفاع الأميركية وخلال ساعات بدأ سعر الصرف يتدهور واتخذت الحكومة السورية بعض الإجراءات الرقابية على التعامل بالعملات الإجنبية وعلى شركات الصرافة لكن لم يكن من شأن هذه الإجراءات أن تغير هذا الواقع.

اقرأ أيضاً: الصحوة الحكومية وخطر النكسة – بلال سليطين

اليوم نحن على بعد أيام من تطبيق القانون وبالنظر الى السياق يبدو أثره واضحاً لا لبس فيه، وما تشهده سوريا هو الخضة التي تسبق دخوله حيز التطبيق والتي من الممكن أن تكون تداعياتها أكبر من تداعيات القانون نفسه لأنها تشكل عامل خوف لكل الشركات والمؤسسات المحلية والخارجية المتعاملة مع الحكومة السورية..إلخ.
إن مسؤولية قانون “قيصر” التي لا تنكرها حتى السلطات الأميركية في تدهور الوضع المعيشي لا تبرر الاستمرار بنفس النهج الذي يساهم في تثبيت حالة يمكن وصفها بـ “عطالة” سياسية واقتصادية ومدنية ومجتمعية وجغرافية، وعطالة التفكير والحلول…إلخ.

اقرأ أيضاً: سوريا: مرحلة عصيان الهضم … بلال سليطين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع