سوريا التاريخية.. شهدت موجة لجوء أوروبي بحثاً عن الخير

عن هجرة شعوب البحر إلينا في الماضي العتيق

سناك سوري – حسان يونس

تحفل صفحات التاريخ بالحديث عن غزوات شعوب البحر “البلست” وهناك دراسات كثيرة حول هذا الموضوع لكنه يظل غامضاً بالنسبة للعامة على الأقل.
من هم هؤلاء؟، كيف أتوا؟، ولماذا أتوا؟، وهل هناك في الزمن المعاصر ما يشبه أو يعكس تلك الظاهرة؟.
وفقاً لمؤرخين كثر فإن غزوات شعوب البحر تمثّل حركات نزوح جماعي متعاقبة بدأت حوالي 2000 عام ق.م، نتيجة تبدلات في الضغط الديمغرافي بين شمال وشمال شرق أوروبا، وبين الجزر اليونانية، ونتيجة لعوامل اقتصادية بالدرجة الأولى ترتبط بالجفاف الكبير الذي أصاب حوض المتوسط في القرن الثالث عشر والقرن الثاني عشر ق.م، نتيجة هذه العوامل الاقتصادية بدأ هذا الضغط الديمغرافي يزحف باتجاه المراكز الحضارية الغنية على الساحل السوري وفي مصر، مخلّفا دمارا واسع النطاق، أزال ما بين (1200 -1190) ق.م مراكز حضارية من الخارطة المكانية والزمانية، بدءاً بطروادة على مدخل مضيق الدردنيل (تلقب بحارسة المضائق البحرية)، ومن ثم مملكة كركميش (جرابلس)، ومملكة امورو وعاصمتها سيميرا (تل كزل)، ومملكة آلالاخ على نهر العاصي قرب انطاكية (تل عطشانة)، ومملكة أوغاريت شمال اللاذقية وهي درة التاج الحضاري الذي حطمه أولئك الغزاة، الذين استمروا في الزحف جنوبا مسببين خراباً مؤقتاً استمر عشرات السنين للمدن الفينيقية جبيل وصور وصيدا، قبل أن يتمكن الفرعون المصري رعمسيس الثالث (1165-1198) ق.م من إيقاف زحفهم في معركة زاهي البرية البحرية حوالي 1190 ق.م.
بعد معركة زاهي حلَّ “البلست” في جنوب أرض كنعان في مدن “غزة وعسقلان وعقرون وأشدود وجت”، حيث أطلق اسمهم في زمن لاحق على سائر “أرض كنعان” لتصبح “فلسطين”، وأما شعوب البحر ممن هاجموا منطقة الفرات فقد أجهز عليهم الملك الآشوري تجلات بلاصر الأول (1117-1077) ق.م فقتل من قتل وهجّر من هجّر و من تبقّى منهم فامتزج مع سكان الدولة الآشورية الوسطى مرغماً.
لقد مثّلت هذه الغزوات التي استمرت مئتي عام على امتداد الساحل السوري لجوءاً أوروبياً إلى شرق وجنوب المتوسط بحثاً عن الرغيف، ولم تكن حملات عسكرية منظمة، وإنما انتقال بشري شامل بكل أطفاله ونسائه ورجاله، لكن افتقار الممالك السورية للقوة العسكرية وتمتّعها بالثراء أفسح الباب أمام هذه الموجات البشرية كي تحدث دماراً هائلاً، تم إيقافه على يد الدول العسكرية كالدولة المصرية في زمن الرعامسة والدولة الآشورية الوسطى.

اقرأ أيضاً إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

ما يعنينا في كل هذا السرد أن الحوض الشرقي للمتوسط شهد قبل حوالي 3200 عام موجات نزوح أوروبي من الشمال إلى الجنوب بحثاً عن حياة أخرى، في مقابل مشهد معاكس رأينا ولا زلنا نرى صوره تزدحم خلال عدة سنوات من ملايين السوريين يتجهون شمالاً براً وبحراً بحثاً عن حياة أخرى، وإذا اتسعت زاوية الرؤية نرى أن موجات النزوح هذه تتعدّى السنوات الماضية، وتتعدّى الاتجاه شمالاً لتشكّل نزوحاً يمتد خلال مئة عام نحو الغرب عموماً هرباً من مجاعة الحرب العالمية الأولى، ومن مأساة الاحتلال الصهيوني الخبيث في فلسطين، ومن محرقة الحرب الأهلية اللبنانية، ومن محارق الحروب العراقية المتعددة، وصولاً إلى المأساة السورية التي اكتملت فصولها في إدلب النازحة شمالاً في اتجاه معاكس لنزوح شعوب البحر رغم وحدة المسار.

اقرأ أيضاً الطقوس الدينية والطبيعة السورية القائمة على التنوع – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع