سوريا التاريخية… الصيادون كانوا ينادون هيليسا قبل تدخل العثمانين

السفينة الشراعية فينيقيا-انترنت

في أواخر فترة الاحتلال العثماني تدخل رجال دين متأثرون بالعثمانين وقاموا بتحريف الأغنية

سناك سوري-حسان يونس

من المعروف أن للأماكن ذاكرة تمتدّ عميقا في حفريات الزمن، لكن أن تمتد ذاكرة المكان خلال عدة آلاف من السنين، فذلك أمر يدعو إلى التوقف عنده كثيراً!؟.

ما دفعني إلى طرح هذا التساؤل هو “مأمون عثمان”، أحد وجهاء جزيرة أرواد، حين أخبرني أن البحارة الأرواديون كانوا يرددون خلال رفع المركب إلى الشاطئ :

هي هي هي هيليسا
الجوني يا ما قطع مراسي (الجوني حبال تشدّ بها المراكب)
يا ما وجع راسي
يا ما بحره آسي
يا ما ……

ووفقا للسيد “عثمان” فإن البحارة ينادون في مطلع هذا النشيد الإلهة هيليسا لتمنحهم القوة والعزيمة على شد المركب ورفعه إلى اليابسة، واللافت أن كل ذاكرة السيد “عثمان” وآخرون من سكان أرواد حول البحر والأنواء والمراكب و ….. الخ، وصلتهم بالعنعنة ولم يداخلها أي نص مكتوب، وهي تتصل بدورة الحياة الفينيقية التي سادت ومادت في البحر المتوسط من أقصاه إلى أقصاه خلال آلاف من السنين، قبل أن يجرؤ اليونانيون ومن ثم الرومان على إنزال مراكبهم في هذا البحر حوالي القرن الثالث ق.م.

اقرأ أيضاً: الطقوس الدينية والطبيعة السورية القائمة على التنوع – حسان يونس

بعيدا عن الذاكرة الشفاهية لأرواد، وبالعودة إلى كتاب “قيم لبنان في تاريخه” للباحث المؤرخ “يوسف حوراني” نجد أن نشيد البحارة “يا بحرية هيلا هيلا” أو “هي هي هيليسا” هو تيمن باسم ملكة قرطاج (اليسار أو عيليسا)، التي أبحرت في أواسط الألف الثاني ق.م انطلاقا من صور، وأنشأت قرطاج “القرية الجديدة”، ولا زال البحارة على امتداد الساحل السوري يرددون اسمها تيمنا، كما نسج الكثير من الشعراء والمؤرخين قصصاً وأساطير حولها فكانت موضوعا رئيسا للشاعر الروماني فرجيل في ملحمته (الانياد)، فما هي القوة الدافعة لذاكرة أبحرت في عباب (3500) عام ووصلت إلى مأمون وسواه شفاها ؟.

في أواخر فترة الاحتلال العثماني تدخل رجال الدين متأثرين بالاحتلال في بنية النشيد المذكور أعلاه، وحاولوا طرد اليسار من وعي الجماعة الأروادية، لكنهم لم يفلحوا فضمّنوا النشيد صلاة على النبي لتخفيف الشحنة الوثنية (وفق اعتقادهم) فأصبح النشيد:

هي هي هي هيليسا
هي هي صلي على النبي يا الله هيلا
الجوني يا ما قطع مراسي
يا ما وجع راسي
يا ما بحره آسي
يا ما ……

اقرأ أيضاً: لماذا ندرس تاريخ “صلاح الدين الأيوبي” على حساب تاريخ “ابن سينا”؟!

هذا النشيد الأسطوري عائد في جذوره إلى أليسار ملكة قرطاج (أو إلهة البحار كما يعتقد الارواديون اليوم وفقا لذاكرة قديمة)، حيث أن الأسطورة الفينيقية تميزت بأنها أكثر تجذّرا، وارتباطا بالمكان، ومن أجل تأكيد الفكرة، أو إيضاحها أكثر، نغادر أرواد ونصعد إلى الجبال المطلة على الساحل السوري.

في هذه الجبال يمارس السوريون من مشارب متعددة ومنذ ألوف عدة من الزمن عيد “الرابع” حيث يخرجون إلى الطبيعة في منتصف نيسان ويمارسون طقوسا احتفالية بشكل مشابه تماما لعيد النيروز عند الفرس والأكراد وعيد الاكيتو عند السوريين والعراقيين القدامى، إذا في توقيت عيد الرابع كان القدماء يحتفلون بعيد الربيع.

وهناك رأي يقول أن المزاج الجمعي نتيجة التحولات الدينية استبدل ياء الربيع بالألف، ثم قدّمت الألف على الباء، فانتقل اسم العيد من الربيع إلى الرابع، وبعد التكيف مع الديانات الوافدة إلى المنطقة كالإسلام وتحول الاسم وفق ذلك، فان هذا العيد احتفظ بجوهره العائد إلى احتفالية الخصب والتجدد، وعودة الإله تموز الرافدي، أو الإله أدونيس الكنعاني من عالم الأموات إلى عالم الحياة المشرقة المتجددة، وظل هذا العيد راسخا حتى زمن الوحدة مع مصر، حيث أوصت الأجهزة الأمنية بشكل غير رسمي بتقليص أو منع طقوسه، ثم تلاشى تدريجيا في سبعينات القرن الماضي.

في كلا الحالتين نلاحظ أن هناك تفوق للأسطورة المرتبطة بذاكرة المكان على محاولات القولبة التي عمل عليها رجال الدين، والتي أضافت تغييرات شكلية لم تمس جوهر الطقوس الكنعانية .

اقرأ أيضاً: إراقة دم المدنية السورية بسيف البداوة- حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع