“سميحة عبود”.. المعلمة التي لامست الفضيلة

المعلمة سميحة عبود

المعلمة التي رحلت عن هذه الدنيا وهي تحمل في جعبتها محبة أطفال سيظلون ممتنين لكل تلك اللحظات التي جمعتهم بها

سناك سوري-داليا عبد الكريم

صوتها لن يمحه النسيان.. حضورها لن يمسه الغياب.. كذلك ابتسامتها حاضرة دائماً لتقول لك الدنيا جميلة وجميلة جداً، هي ليست عبارات غزل لعاشق تاه عن حبيبته، بل هي ذكريات طفلة كبرت دون أن تمحو السنون من عقلها معلمة لامست الفضيلة في سموها لدرجة لن تفيها المفردات حقها مهما انسابت بغزارة.

“سميحة عبود” معلمتي التي توفيت قبل عام، ففي صبيحة يوم مشؤوم قرر القدر أن يستعيد روحها المعطاءة مريحاً إياها من مرار المرض، ربما هذا كل مايعزي أهلها وطلابها في وداعها الأخير، مازلت أذكر كيف كانت تدخل علينا بابتسامة جميلة بينما نقف ونقول بعبارة واحدة “صباح الخير يامعلمتي”، لتبدأ بعدها رحلة الدرس الممتعة الخالية من أي تنمر أو شغب، كان كل شيء سلساً بحضورها.

ففي التسعينيات حين كانت العصا والضرب سلاحا المعلم دون أي رادع قانوني كما اليوم، آثرت معلمتي “عبود” أن تنتهج أسلوباً آخر لدرجة أن نظرة زعل منها كانت كفيلة بإعادتنا إلى جادة الصواب، فزعلها منا كان يعني الشيء الكثير لأطفال لم يتجاوزوا الثامنة من عمرهم آنذاك، يستحق هذا الأمر الوقوف مطولاً عنده سيما اليوم مع حالات عدم احترام الطالب لمعلمه والذي يتحمل بها المعلم الجزء الأكبر من المسؤولية.

اقرأ أيضاً: عن فوبيا السلاح والشيطان والحمقى و”حبة البندورة” الضحية!

أذكر أيضاً كم شجعتني حين اكتشفت موهبتي في صوغ مواضيع التعبير وإنشاء الجمل التعبيرية، التحفيز لم يكن بالمديح والثناء فحسب بل كانت تهديني قصة ملونة مع كل موضوع تعبيري جميل، وكل زملاء مقعد الدراسة المتميزون بمادة ما كانوا يحصلون كذلك على هداياهم، تلك الهدايا كانت حافزاً جميلاً غاب عن مدارسنا اليوم لصالح الواسطة والمحسوبيات.

“عبود” كانت معلمة المرحلة الابتدائية في مدرسة قرية “سربيون” بريف “جبلة”، طيلة فترة التسعينيات من القرن الماضي، في ذاك الوقت لم يكن البحث العلمي موجوداً ولا حتى الانترنت أو أي وسيلة أخرى تتيح البحث، لكن معلمتي لم ترد أن نقولب أفكارنا في الكتاب المدرسي وغالباً ماكانت تطلب إلينا تخيل حدث ما والكتابة عنه، أو إنشاء مجلة حائط ورفدها بمعلومات عن نباتات طبية موجودة في طبيعة قريتنا، وعمليات حسابية معقدة ومواضيع تعبيرية مميزة، لقد كان الأمر يشغلنا في المنزل مابعد المدرسة تماماً كما حلقات البحث التي نسيها معلمو الجيل الحالي، وقد أتاح لنا هذا الأمر مخيلة واسعة قطفنا ثمارها فيما بعد حين كبرنا واتجهنا نحو سوق العمل.

اقرأ أيضاً: “خليل” الذي غرس سكيناً عميقاً في قلبي.. سيكبر يوماً

ولآخر العام حكاية مختلفة، فتوزيع الجلاءات لم يكن حدثاً اعتيادياً أبداً، لقد كنا نعلم ماينتظرنا، الكثير من الامتيازات والمرحات والتقديرات الملونة المرفقة مع الجلاء، حيث يحصل عليها كل طلاب الصف بينما ينفرد الخمسة الأوائل بالحصول على قصص ملونة، وأما الأول فكان يحصل على هدية قيمة مكافأة له، كل تلك الأمور ماتزال عالقة في أذهاننا كذكريات يصعب على الزمن محوها مهما حاول، خصوصاً أنها كانت حافزاً جميلاً جداً، وفاعلاً أيضاً.

“سميحة عبود” رحلت عن هذه الدنيا وهي تحمل في جعبتها محبة أطفال سيظلون ممتنين لكل تلك اللحظات التي جمعتهم بها، وحتى عيد المعلم في غيابها لن يمر دون أن نلقي التحية على روحها الجميلة، فمن يسكن الذاكرة لن يغيبه حتى الموت.

اقرأ أيضاً: أرى الكثير من ثياب “بابا نويل” ولا أجده!

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع