سلاح اللاعنف – ناجي سعيد

ناجي سعيد

اللاعنف ليس وجبة جاهزة تُطلب بواسطة هاتف الديليفري

سناك سوري-ناجي سعيد

كنت في سنّ المراهقة حين ضربني محمّد ابن جارنا الأستاذ أنور. وقد كان الضرب طريقة صبيانيّة تُستخدم في التعامل مع المشاكل التي تواجهنا في سنّ المراهقة.

لقد كنت دومًا في صفّ المهزومين عند حصول أي عراك يدوي. فلم أمتلك قطّ أدوات الضرب، حيث حرِصَ والداي على تربيتي بين دفّتي كتاب. والملفت في الموضوع، أن والدي أخذني كما عدتُ إلى المنزل بعد العراك -ممزّق السترة وعلى وجهي كدمات- لزيارة الأستاذ أنور، ولكن ليس للشكوى التي تزيد الطين بلّة، بل فتح أبي نقاشًا مع الأستاذ أنور حول أسباب المشكلة الصبيانية.

لكني الآن أدري تمامًا أن الهدف التربوي لتصرّف والدي كان أن أتعلّم بأن التعارك بالأيدي ليس أداة تسهم في حل المشاكل. وقد عملتُ على تثقيف نفسي لاحقًا، حيث وجّهتني رغبة دفينة مرتبطة بتربيتي الإنسانية، على الغوص في عالم اللاعنف. فالقمع السياسي والاجتماعي (كعائلة مُختلفة الانتماء) الذي عشتَهُ كان كفيل لأخوض غمار النضال اللاعنفي. فقد كنت من مجموعة شباب قرّروا أن يناضلوا لاعنفيًّا مع روّاد اللاعنف في عالمنا العربي (د. صليبي ود/ة يونان) لنكون مجموعة “شمل” (شباب مواطنون لاطائفيون لاعنفيون).

لم أقصد في هذه المُقدّمة سرد استعراضي لجزء من حياتي، ولكن لأقول في مقالتي بأن الأثر التربوي لأدوات اللاعنف أقوى وأكثر فائدة لبقاء الإنسان من أسلحة العنف المدمّرة. والعنف يُقنع صغار السن، حيث يطغى الجانب العاطفي في شخصيّتهم فتراهم سريعي الفرح والحزن والغضب والخوف، هذا لغلبة عمل القلب على عمل العقل، فالطفل في مرحلة النمو، تنمو مشاعره في خضمّ الحياة اليوميّة فيغفل عن استخدام دماغه بظلّ غياب تربية تلحظ دماغ الطفل.

دون أن يُدرك أبي، بالفطرة، علّمني بأنّ لا يمكن مواجهة العنف إلاّ بأدوات لاعنفيّة. وكلّ التركيز في هذا التصرّف يجب ان يكون على استخدام الدماغ. فكيف لطفل دماغه في طور النمو أن يُحسن التفكير؟ وبالواقع، فالمسؤوليّة تقع على الكبار الناضجين. نعم فأدوات اللاعنف تنمو بشكل عفوي، وبحسب مُفكّري اللاعنف (طبيعة البشر لاعنفيّة) لو كانت بيئة الطفل الحاضنة لاعنفيّة، وبعدها يجد الطفل المساحة الآمنة لاستخدام دماغه.

اقرأ أيضاً: هل يمكن مواجهة العنف باللاعنف؟ – ناجي سعيد

نعم فمن لا يعرف بيئة الهند والدول التي عُرفت بإتباع الديانة البوذيّة وثقافة التسامح، وقد أنجبت المهاتما غاندي، الذي استمدّ قوّة أفكاره في مواجهة العنف والاستعمار، من ثقافة روحانيّة أفضت به إلى الأمان في استخدام أفكار إبداعيّة لمواجهة العنف والاستعمار. في حالة واحدة يستحيل استخدام أدوات اللاعنف لمواجهة العنف: حين يشهر العنف سلاحًا إلغائيًا بوجه الإنسان.

من الغباء أن تُعرّض حياتك لخطر إلغائي في مواجهة سلاح ما. في لحظة الخوف، حيث يرتفع مستوى الأدرينالين ليمنع الدماغ من العمل والتفكير بطريقة مواجهة لاعنفيّة. اللاعنف ليس وجبة جاهزة تُطلب بواسطة هاتف الديليفري. بل هي فلسفة حياة تحتاج إلى أساس يُحصّن بناء الإنسان فلا يقع بسهولة.

وأذكر في النهاية القصّة التي أخبرني إياها حكواتي من فلسطين: قرّر مزارع شابّ أن يزرع شجرة حامض، وحاول مرارًا فلم تُنجب أرضه حامض. فما كان من جاره العجوز أن قال له: يا بُني أن هذه الأرض لا تُنجب سوى شجر الرمّان، فازرع الرمّان أوّلاً ثم اقطعه وازرع الحامض. وهكذا العودة إلى الطبيعة اللاعنفية، طبيعة الأرض وطبيعة الإنسان: “فلا تُؤخذ الدنيا غلابا..”.

اقرأ أيضاً: كيف نكون لاعنفيين – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع