ست شبان ينقبون عن الآثار برعاية الخبير “حبّو”

حين قررت أن أزنكل

سناك سوري – شاهر جوهر

هذا ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺫﻭ ﺍﻟتقاسيم الفرعونية الهلشة، ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺍﻟﻤﺮﺑﻊ والمسمى ”الخبير حـبّـو“ ﺧُﻠﻖ ﻭﺑﺪﻣﻪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮهبة، ﺃﻗﺼﺪ ﻣﻮﻫﺒﺔ التنقيب عن الذهب. ﺟﺎﺀ ﺑﻪ صديقي ”مهدي“ قبل مدّة ﻭﻳﺒﺪﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ الدائرة في البلاد ﺃﺛّﺮﺕ به فعلاً، إذ شلح شارباه و ارتدى لحية طويلة كثّة كما ﺃﺣﺎﻁ ﺧﺼﺮﻩ ﺑﻤﺴﺪﺱ ﺗﺸﻴﻜﻲ ﻃﻮﻳﻞ.

ﻭﺑﺎﻟﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺑﻴﺘﻲ في الريف الجنوبي من الهضبة في الجولان قطعة أرض بور قد ورثتها عن أبي، وبها ﺑﻌﺾ الإﺷﺎﺭﺍﺕ ﻣﻦ ﺣﻘﺐ ﺯﻣﻨﻴة سحيقة ﺟﺪﺁ.
جلسنا ثلاثتنا ثم ابتدى “مهدي” حديثه بهدوء لم أعتد عليه، فأنا أعرف أنّ تلك السكينة ليست من طباعه وأنّ الكل في قريتي يصفه “براديو بشري متحرك”، لكنّه اليوم على خلاف ذلك، هادئ حتى النهاية المرّة وعباراته تستند الى لغة كنائسية رفيعة الروحانية وبين اللحظة والأخرى كان يطبع على وجهه ابتسامة مطمئنة في الاسترسال مثل لوحة زيتية لـ ماري مينيية.
إذ تحدث مطولاً وبلباقة عن قدرات ”حـبّـو“ في حل رموز ولوغاريتما الإشارات الحجرية وعن الحالة الاقتصادية السيئة التي وصلت إليها البلاد بعد اندلاع الحرب، وفي نهاية الحديث أفصح عن نيته إخراج كنز مدفون في أرضي.

ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻﺡ ﺍﻟﺘﺮﺩﺩ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻲ لكلامه زحف بقربي موسوساً لأنّه لا يقدر إلّا أن يعود لأصوله النزقة : (إفهم رح نزنكل يا مهبول).

ثم ﺃﺧﺬا يجاهدان لإقناعي عبر الحديث المستفيض عن الأحلام، إذ تربّعا حولي وراحا يقنعاني مثل تجّار العجول في قريتي أحدهم يشد والثاني يُرخي.
ﺃﻣّﺎ ﺃﻧﺎ ﻭﺑﻔﻢ ﻓﺎﻏﺮ ﻳﺘﺴﺎﻳﻞ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻠﻌﺎﺏ ﺃﺧﺬﻧﻲ كلامهم عن الأحلام بعيداً، ثم وبحماسة منقطعة وافقت على البحث.

اقرأ أيضاً: الإعلام السوري الجديد “مدري مـيـو .. مدري عـو”

ﺍﺗﻔﻘﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ، وﻛﻨﺎ ﺳﺘﻪ، ﻭﻫﺬﺍ الخبير ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻣﻦ ﻓﻢ ﻭﺳﻴﻊ ﻳﻄﻦ ﻭﻻ ﻳﻬﺪﺃ ﻣﺜﻞ ﻋﺶ ﺍﻟﺪﺑﺎﺑﻴﺮ، ﻭﻗﺒﻞ ﺍﻟﺒﺪﺀ أﺧﺬ ينط ﺣﻮﻟﻨﺎ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﺼﺨﻮﺭ ﻣﺜﻞ ﻗﺮﻭﺩ ﻧﻴﻮﺯﻳﻼﻧﺪﺍ، ﺃﻣّﺎ ﺃﻧﺎ ﻭﻓﻲ ﻭﻟﻴﺠﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﺳﻮﻟﺖ ﻟﻲ ﻟﺤﻴﺘﻪ الصدئة ﻭﺻﺪﻏﺎﻩ ﺍﻟﻤﻨﺘﻔﺨﺎﻥ ﻛﻤﻮﻣﻴﺎﺀ فرعونية ﺃﻥ ﺃﺅﻣﻦ بمبادئ الانتخاب الطبيعي ﻟﺪﻯ ﺩﺍﺭﻭﻳﻦ ﻭﺑﺄﻥ ﺃﺻﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺳﻌﺪﺍﻥ.
ﻓﺒﻌﺪ ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻂ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﺣﺎﻟﻪ ﻓﻮﻕ ﺭَﺟﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺨﻮﺭ القاسية. ﻭﻗﻒ ﻭﺑﻌﻴﻨﺎﻥ سيئتي ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ﺭﺍﺡ ﻳﻤﺨﺮ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ (ﺑﺎﺷﺮﻭﺍ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ) مشيراً ﺑﺈﺻﺒﻌﻪ ﺍﻟﻰ ﻣﻜﺎﻥ ﻭﻗﻮﻓﻪ.

ﺃﻣﻀﻴﻨﺎ ﻟﻴﻠﺘﺎﻥ ﻧﺰﻓﺮ ﺍﻟﺘﻌﺐ ﻣﻦ ﺧﻴﺎﺷﻴﻤﻨﺎ ومؤخراتنا. وفي يومنا الثالث، وعلى بُعد ثلاثة أمتار ويزيد هو عمق الحفرة يقف خبيرنا كما في اليومين السالفين مكوراً ساقاه ومردداً فكاهاته التي لم تضحك أحداً، ثم ينفث الدخان من أنفه و يصفّر بنشاز لحناً لبادئة أغنية محلية (ورني .. ورني) ثم يكمل حديثه الممل عن حبه الأفلاطوني لفتاة أحبها منذ عام ، وعن تحسّره لإنشقاقه عن الجيش ، إذ ينفث للمرة الثانية الدخان بعصبية ثم ينبري في سرد بطولاته :
(كان ضابط قطعتنا صعب جداً وما حدا يقدر يقلو صباح الخير سيدي ، بس مو على ”حـبّـو“ ، كنت بدفش الباب برجلي لمن فوت لعندو .. كنت مفيش و ما بطلع حرس أبداً .. الضابط كان يحبني .. الضابط ما بيثق بحدا غيري .. دائماً ضابط قطعتنا يستشيرني بأمور القطعة … ضابط الأمن لمن بيشوفني يتكركب .. الله على هالأيام كانت بنت الضابط تترجاني اعطيها رقم تلفوني .. أقسم بجمالي ما عم أكذب ..)

في سر كل واحد منا كان يعلم ان ذكريات ”حـبّـو“ ما هي إلا أمنيات كان يتمنى حدوثها قبل انشقاقه، إذ لم يكن سوى حاجب للضابط، وأقصى جهده أنه لم يكن يجيد سوى غسل جوارب وكلاسين رئيسه في القطعة.

اقرأ أيضاً:الخنازير الإسرائيلية تهاجم القنيطرة ليلاً

فجأة يقطع أحدنا قصة ذكريات خبيرنا ”حـبّـو“ ، يخرج من الحفرة وقد تغبّر رأسه من التراب ثم يرفع يده عالياً ممسكاً بعلبة صدئة من التونة الفارغة و شظية يبدو أنها من تركات الحرب العربية – الإسرائيلية الثالثة أو الرابعة أو لربما لحربٍ نعيشها ، ثم صرخ بوجع (هذا هو الكنز يا حبيبنا حبّو ..)
في غمرة خيبتنا تلك حل صمت شفيف على الجميع وقفوا وقد لوّحت سني الحرب وأيام الحفر الثلاثة وجوههم المتعبة. أحدهم يلوّح برفشه قاذفاً به إلى البعيد ، وآخر يلقي بجثته على حجر ثم يمسك بيده علبة التونة الصدئة ويرسم بها خطوطاً على التراب وثالث يقترب منه و يربت على كتفيه مواسياً .

ينظر الخبير الينا ، و بخوف صفق يداً بيد ثم أجاب بقلق (يبدو .. أنّي أخطأت أيها الرفاق .. علينا أن .. أن نحفر مجدداً ..هناك..)
ثم أومئ برأسه في حركة بطيئة تنم عن حيرة إلى تلة صغيرة بالقرب من حفرتنا.. سمع منه الرفاق ذلك ثم التفوا حوله بغيض وجروه إلى قلب الحفرة كما جدل أحدهم عنقه تحت إبطه المتعرق ثم تلا ذلك صفق الكفوف.

بعدها تداركت خيبتي وحملت فوق كتفاي المهزومان رأسي المتعب ومضيت . خلفي أحدهم يغني أغنيته، في حين وضع آخر علبة التونة الفارغة في فمه، قبل أن يعجن ثالث رأس حبّو بالتراب وبزبل بقرة قريبة من حفرتنا.

أما أنا طوال الطريق الى البيت رحت أفكر بعمل جديد ، وأنا أتمتم بطرب (ورني .. ورني).

اقرأ أيضاً: قصة “موارض”: الحكومة ورطته.. المعارضة طردته.. وزوجته قضت عليه

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع