“سائر” مات في سجنٍ يرى “الشمس”… ماذا يحدث خلف القضبان؟

إن فلسفة السجون عندنا تقوم على العنف والتعذيب والإهانة والإذلال

سناك سوري – بلال سليطين

وجَد المرحوم “سائر سلامة” من يحمل قميصه ويطرح قضية موته في السجن، لكن غيره ماتوا حتى دون أن يعرف أنهم دخلوا السجن.
“سلامة” هو مواطن سوري قد يكون ارتكب خطأ أو جرماً وقد لايكون ارتكب، لكنه في النهاية مواطن له حقوق في الدستور من ناحية، وهو إنسان أيضاً وله الحق في معاملة إنسانية كريمة من ناحية أخرى.
يقول تقرير الطبيب الشرعي إن الشاب توفي نتيجة نزيف دماغي، بينما كان قابعاً في السجن باللاذقية على خلفية قضية لم يبت فيها القضاء بعد، وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الرجل البالغ من العمر 44 عاماً تعرض للضرب على رأسه ما أدى لحدوث نزيف تسبب بالوفاة.
ليس “سائر” الأول ولن يكون الأخير الذي يوضع حدٌ لحياته في سجن أو معتقل، طالما طريقة إدارة هذه السجون والفلسفة القائمة عليه لا تعرف الإنسانية أبداً، وكل سوري مهدد بمصير مشابه في حال دخل سجناً، طالما أننا أمام واقع غير منضبط تغيب فيه الرقابة، وفلسفة ترى بالعنف والتعذيب والإهانة والإذلال أدوات مشروعة وليس انتهاكاً، وترى القيم الإنسانية وحقوق الإنسان شعارات امبريالية.
اليوم “سائر” وبالأمس لا ندري من، لكن ماذا عن الغد، هل تفكرون بالغد!، هل يعنيكم أيها القائمون على السجون في هذه البلاد الجريحة “الغد”!؟ ماذا ستفعلون لمنع وقوع هكذا حوادث في السجون المظلمة والتي يقال شعبيا عنها “ياما بالسجن مظاليم”؟.
لكن قبل أن نصل إلى الغد ماذا عن “الحاضر”، هل من شخص واحد يخرج ويتحمل المسؤولية عن ضرب تعرض له مواطن في سجن توفي على إثره ويستقيل، طبعاً لا فلا أحد استقال ولا أحد سيستقيل، فلماذا الاستقالة طالما الموضوع عبارة عن هامش خطأ بسيط، يعني اذا كان عندك 1000 سجين مثلاً ومات واحد منهم وين المشكلة، واحد بالألف (رقم) غير مهم ربما بالنسبة للبعض، فهو رقم وليس روح!؟.
هناك زوجة فقدت زوجها، عائلة فقدت ابنها، هناك تشييع وجنازة ودفن، وعزاء، وحزن ودموع وسواد ستتشح به العائلة، من جراء هذه الحادثة، إن هذا الوجع كافٍ لكي يلين الصخر ربما أفلا تلين قلوبكم وتضعون حداً لما يحدث في السجون، حداً للعنف والتعذيب، حداً يعيد للمواطن كرامته التي يفقدها عند أول حضور لدى العديد من الجهات المختصة.

اقرأ أيضاً: لماذا فرع جرائم المعلومات وليس جرائم المسؤولين؟

لايمكن ترك السجون بهذا الشكل، هذه الحادثة وقعت في سجن تُشرف عليه وزارة الداخلية، وهو نسبياً خاضع لرقابة ومن الممكن أقلها لمحامي الوصول إلى موكله والاطمئنان على صحته، فكيف بتلك السجون التي لاتخضع لرقابة ولا معايير إنسانية وُيقيد الوصول إليها، وداخلها مفقود وخارجها مولود، ولا حقوق ولا مواطنة فيها!.
إن قيمة الدولة من قيمة مواطنيها، وهيبة الدولة من هيبتهم أيضاً، والحفاظ على الدولة يعني بالضرورة حفاظها على مواطنيها وكرامتهم، وبالتالي فإن إعادة بناء فلسفة السجون من جديد على أساس القيم الإنسانية وتطوير آلية عمل الأجهزة الأمنية في البحث والاستقصاء والتحقيق بعيداً عن العنف والتعذيب الجسدي الوحشي، لا يقل أهمية عن أي إجراء يُمارس لحماية الدولة، فإن مقياس تقدم الدول يعتمد على مدى احترامها لحقوق مواطنيها (وحقوق الإنسان) وليس على تركهم يلاقون مصير أسود دون محاسبة.
ربما حلم الكثير من المواطنين السوريين والحريصيين على الدولة والإنسانية أن يستيقظوا غداً وقد وجدوا كل السجون (التي ترى الشمس والتي لا تراها) وقد فتحت للرقابة الإنسانية والحقوقية، وأوقف التعذيب فيها، ووضع حد للانتهاكات، وأخضعت جميعها لسلطة القانون وحصل السجناء على حقوق فيها بما فيها معتقلوا “الرأي والموقف”. حلم بأن تتحول هذا السجون من مشوهة إنسانياً إلى “نُزل” يساعد في تحويل المجرمين إلى أشخاص منضبطين وملتزمين بالقانون أو أقل إجراماً (إن صح التعبير)، فعندما يجد السجين سجانه ملتزماً بدستور البلاد وبقانون أخلاقي وإنساني ربما يقتدي به!، وغير ذلك فإن السجان جزء من مسببات إجرامهم.

اقرأ أيضاً: نائب لوزير الداخلية: متى ستتوقفون عن الضرب في السجون

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع