ذاكرة المونديال – حسن حميدوش

نهائي كأس العالم 98 بين فرنسا والبرازيل

في مونديال 1994 كانت خطة حضور مباراة الرابعة فجراً كالتالي: ضع رأسك مكان قدميك وارفع الغطاء قليلًا بحيث ترى وتكون في وضعية الاستعداد لتغطية رأسك بالكامل عند استدارة أحد الكبار نحوك.

سناك سوري – حسن حميدوش

بقي أسبوع على انطلاق صافرة البداية لمباراة الافتتاح، والحديث عن المونديال هنا، ليس بوصفه حدثًا كرويًا أو رياضيُا، ولا مسرحًا لتبادل رسائل سياسية أو نشاطات اقتصادية، بل باعتباره كرنفال شعبي يهتم فيه الناس من متابعين رياضيين وغير متابعين، من فقراء وأغنياء، رجال ونساء، من الشرق إلى الغرب، ومن سوريا إلى اليمن، ومن إدلب إلى درعا.

ميزة المونديال أنه يخلق دقائق من السعادة، بتسديدة قوية، مراوغة ممتعة، أو هدف حاسم. ولأن حياتنا كسوريين أصبحت ملأى بالمآسي والأحزان والشكوى، فلا ضير في محاولة الإمتاع والاستمتاع بهذا الحدث، من خلال محاولة تقديم مادة مسلية وممتعة، تدور حول طقوس وحكايا المونديال ومعلومات عامة للمتابعين الموسميين لكرة القدم أو جمهور المونديال فقط، والذين لا تعنيهم مباريات كرة القدم خارج سياق المونديال، وهو ما لن يكتمل من دون التعليق والمشاركة وتبادل التجارب.

لمعظمنا ذاكرته المونديالية التي تحوي تفاصيل دقيقة، عن الطقس والمرحلة العمرية وردود أفعال المحيط من عائلة وجيران وأصدقاء، بما في ذلك من حكايا وأحلام عشناها رفقة البطولة الأشمل: كأس العالم، واسمحوا لي باصطحابكم في جولة ضمن ذاكرتي المونديالية، بانتظار التنقل ضمن رحلتكم المونديالية أيضًا.

كان مونديال 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية أول بطولة أعاها وأذكر تفاصيلها حتى الآن، مارادونا يحتفل بتسجيله لهدف بفتح فمه على آخره أمام الكاميرا، رقصة روماريو وبيبيتو بعد كل هدف للبرازيل، أموكاشي النيجيري وهو يعانق الشباك باكيًا من الفرح، وركلة الترجيح الضائعة لروبرتو باجيو والتي أسهمت في فوز البرازيل بالمونديال الأول لي، كانت سنوات عمري الثماني عندها كافية فقط لتعطيني الحق بمشاهدة مباراة الثانية فجرًا في ذاك الصيف، أما مباراة الرابعة فكنت أختلس الفرجة عليها مستغلًا وجود التلفاز في الغرفة التي أنام فيها في بيت جدي في دمشق، وكانت خطة المشاهدة بسيطة جدًا، ضع رأسك مكان قدميك وارفع الغطاء قليلًا بحيث ترى وتكون في وضعية الاستعداد لتغطية رأسك بالكامل عند استدارة أحد الكبار نحوك.

أما في مونديال 98 الفرنسي فقد كان الوضع أكثر راحة، لأني كنت قد انتقلت للمرحلة الإعدادية، وكانت المباريات تقام في أوقات مناسبة مساءً بسبب وقوعنا على منطقة زمنية مقاربة لأوروبا، وربما هذا المونديال كان نقلة على مستوى الاهتمام السوري بالمونديال، فقد ترافق مع عصر الدش أو الستالايت، وبدأت تظهر طقوس التشجيع من صور وأعلام وصراخ في الحارات تعاطفًا مع المنتخب المغربي الذي قدم مستوىً مميزًا ذاك المونديال، ولا يمكن نسيان هدف مصطفى حاجي على النروج والذي أشعل حماسنا وحماس جيراننا في منطقة ركن الدين بدمشق ليطلق أحدهم النار احتفالًا بالهدف، لكن ذلك الأداء لم يكن كافيًا للمغرب للتأهل للدور الثاني وذلك لخسارة البرازيل أمام النرويج والتي عزيت يومها لمؤامرة حاكها الحائكون لإخراج العرب من المونديال والذي شهد خروجًا مهينًا للألمان على يد كرواتيا بثلاثة أهداف مقابل لا شيء في الدور ربع النهائي. كان الظاهرة البرازيلية رونالدو النجم الأول للمونديال رفقة خطيبته الحاضرة دائمًا في المدرجات، قبل أن يخطف الأضواء اللاعب الذي دك شباك البرازيل بهدفين في المباراة النهائية التي شهدت فوز منتخبه الفرنسي على البرازيل بثلاثة أهداف مقابل لاشيء: زين الدين زيدان. (للاستزادة ينصح بمشاهدة حلقة مرايا 99 بعنوان مونديال القرن).

كنت في مرحلة الدراسة الثانوية عام 2002، وبالنسبة لي فإن مونديال 2002 يعتبر من أسوأ المونديالات، ليس بسبب غياب فريقي المفضل هولندا عنه، ولا خروج الفرنسيين من دور المجموعات وغياب زيدان عنهم للإصابة، لكن المونديال الذي نظم لأول مرة خارج أوروبا وأمريكا، وبمشاركة دولتين في تنظيمه هما اليابان وكوريا (الجنوبية طبعًا، تخيل أن تكون الشمالية هي المنظمة للمونديال) قد شهد أسوأ المستويات التحكيمية في المونديال والتي مكنت أحد المضيفين المنتخب الكوري الجنوبي من الوصول لنصف النهائي عبر إقصاء منتخبي إيطاليا وإسبانيا بسبب كوارث تحكيمية حصلت في تلك المباريات، لكن مشوار كوريا انتهى على يد الألمان، لتخسر أمام تركيا المركز الثالث في حدث تاريخي للمنتخبين، فيما حازت البرازيل اللقب بثلاثي هجومها المرعب رونالدينو ريفالدو ورونالدو الذي عاد من غياب سنتين عن الملاعب للإصابة ليسجل في المبارة النهائية هدفين في مرمى حارس ألمانيا أوليفر كان والذي كان يعادل فريقًا كاملًا وهو الحارس الوحيد الذي اختير أفضل لاعب في كأس العالم منذ انطلاق البطولة وحتى الآن.
على مستوى المشاركة العربية سجل المنتخب السعودي كرم ضيافة عالي المستوى عبر تلقيه ثمانية أهدف من المنتخب الألماني والتي ساهمت في زيادة رصيد هدافه ميروسلاف كلوزة الذي يعتبر الهداف التريخي لبطولات كأس العالم برصيد 16 هدفًا.

جاء مونديال 2006 في مرحلة الجامعة، وفي مرحلة أزمة سياسية مرت بها البلاد نتيجة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وقد انعكست التوترات الدبلوماسية على متابعة المونديال، فكان العديد من السوريين يقفون ضد منتخب فرنسا نكاية بالرئيس الفرنسي شيراك والذي كان متابعًا كرويًا من الدرجة الأولى، بالنسبة لي لم يكن ممكنًا مشاهدة شيء غير زيدان وهو يقدم أداء ساحر في آخر بطولة لعبها قبل الاعتزال، وكان بطلها بكل ما قدمه من لعب ونطحته الشهيرة للمدافع الإيطالي ماتيرازي بسبب استفزاز الأخير له بشتائم تناولت أخت زيدان، وجاء طرد زيدان نتيجة لتلك النطحة وفازت إيطاليا في تلك اللمباراة بركلات الترجيح لتحرز البطولة الرابعة لها.

لأول مرة تم تنظيم بطولة لكأس العالم في قارة إفريقيا عام 2010، وفازت بتنظيمه جنوب إفريقيا بعد منافسة مع كل من مصر والمغرب، ولا يمكن ذكر ذلك المونديال بدون ذكر صوت الفوفوزيلا، ذلك المزمار الذي يصدح في المباريات بصوت يشبه أصوات الفيلة، والذي اشتكى منه العديد من اللاعبين، تزامنت بداية البطولة مع امتحانات سنتي الرابعة في الجامعة، وقد اتخذت عندها قرارًا تاريخيًا بعدم مشاهدة المباريات حتى انتهاء الامتحان على الرغم من صدح أصواتها من شاشات مقاصف المدينة الجامعية في دمشق حيث اعتدت الدراسة مع أصدقائي، وهي البطولة التي عاد فيها مارادونا مدربًا أهم ما لديه تقبيل لاعبيه بعد كل مباراة، وفيها سيصل المنتخب الهولندي للمباراة النهائية ويخسر على يد المنتخب الإسباني الأفضل في العالم حينها بهدف نجمه إنييستا.

لم يعد مونديال البرازيل 2014 الوحيد الذي رافق الحرب السورية، ولم تفلح الحرب في التخفيف من وهجه، ولم تحل صعوبة الكهرباء والتشفير دون مشاهدة مباريات المونديال بمختلف الطرق، وفي دمشق كنا نتجمع في المقاهي حيث نظمت الكراسي والطاولات كالسينما لمشاهدة المباريات التي كان ينتهي بعضها عند منتصف اللليل، وعلى الرغم من أن المدينة لم تكن تحظى بالأمان، إلا أن ذلك لم يمنع حشود الناس فيها من التواجد في المقاهي لمتابعة لمونديال، على الرغم من انطلاق قناة هوا الأرضية والتي مكنت الناس من مشاهدة المونديال في المنزل ومجانًا، خصوصًا أن المونديال تداخل مع شهر رمضان وصيامه ومسلسلاته، وقد شاركت حينها مع بعض الأصدقاء بإعداد وتسجيل حلقة في برنامج إذاعي ساخر يتم فيها رصد المقارنات بين مونديال البرازيل لكرة القدم الذي يضم 32 منتخبًا وبين المونديال السوري للقتل والتشريد والحصار.

عسى أن يكون مونديال روسيا آخر مونديال في الحرب السورية، وعسى أن يكون مناسبة لسرق بعض لحظات الفرح، للفاقدين أحبائهم، والخارجين من بيوتهم، والمصابين، والمعتقلين، وكل السوريين، وللحديث عن المونديال تتمة، معنا، ومع ذاكرتكم المونديالية، وكل مونديال وأنتم بخير.

اقرأ أيضاً : مذكرات طالب بكالوريا – حسن حميدوش

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *