دير ما بعد الحرب مقطعة الأوصال.. القارب لا يضمد جرحاً والدموع على الجسر لا تبنيه

الطرق البدائية غير الآمنة لنقل الركاب والسيارات بين ضفتي نهر الفرات

امرأة دفعت حياة جنينها ثمناً لتدمير الجسور في “دير الزور”.. أسباب تدمير الجسور تبدو سياسية لكن المواطن هو من يدفع الثمن.. والمحافظ يعد بحلول خلال أسابيع

سناك سوري-فاروق المضحي

توفي ابن “أحمد الحسين” قبيل ولادته بساعات قليلة نتيجة الجهد التي كابدته الزوجة لتصل إلى المستشفى في المدينة، وانتظار العبارة المائية في نهر الفرات.

يقول “الحسين” لـ”سناك سوري”: «حتى زوجتي كادت أن تموت حيث انتظرنا العبارة النهرية كي تبدأ عملها لكن العبارة تأخرت ذلك اليوم عن موعدها (يبدأ عملها في الثامنة صباحاً إلى السادسة مساء صيفاً وفي الشتاء تضيق المدة لقصر نهار الشتاء)».

حين قدمت العبارة كانت طاقة السيدة الحامل قد استنفذت وآلام المخاض ازدادت، بالفعل تم نقلها وبمجرد الوصول استأجر الزوج تاكسي أوصلتهم إلى مستشفى “دير الزور”، لكن كان الآوان قد فات، توفي الجنين نتيجة الجهد والقلق من وضع العبارة وخطورة غرقها، كما أكد الزوج.

جسور الفرات دُمرت والأهالي ازدادوا معاناة

قطعت شرايين الفرات وأعصابه خلال سنوات الحرب فلم يعد هناك صلة وصل بين ضفتي النهر الذي بات يعرف بـ”شرق الفرات وغرب الفرات” بعد تدمير ممنهج لكافة الجسور من قبل طيران التحالف بقيادة واشنطن بهدف تقسم المدينة.

تكبد أهالي الدير معاناة كبيرة في التنقل بين مناطق المحافظة بسبب تدمير جسورهم، وازدادت المعاناة خلال التنقل إلى محافظات أخرى مثل “الرقة” و”الحسكة”.

يقول “اسماعيل الطعملة” وهو موظف لـ”سناك سوري”: «أقيم في قرية حطلة وعليّ الذهاب إلى المدينة مع زملائي بشكل يومي للدوام الرسمي، وبالإضافة إلى التعب الجسدي هناك التكلفة المادية فالعبارة المائية بين ضفتي النهر تنقل الناس دون أي مقابل مادي ولكن علينا استقلال تكسي بـ ٥٠٠ ليرة للوصول إلى المدينة بعد العبور وعند العودة إلى المنزل نفس الأمر مما يكلفنا يوميا ١٠٠٠ ليرة».

لا تقل معاناة الفلاحين عن معاناة الموظفين، حيث تكمن الصعوبة في نقل وتصريف محاصيلهم كما يقول “علي الخلف” من قرية “خشام”، مضيفاً: «علينا تحمل مصاريف جديدة لنقل المحصول إلى الضفة الأخرى مما يدفعنا في كثير من الأحيان لبيعها في القرية بأسعار رمزية، بينما لو كان هناك جسر لاختلف الوضع وأصبحت الأمور أسهل كما كانت في الماضي».

اقرأ أيضاً: مصادر تنفي استهداف جسر “حلبية وزلبية” خلال ترميمه

العبارات النهرية

لا تنتهي قصص معاناة المواطنين جراء تدمير الجسور، خصوصاً في ظل وسائل نقل بدائية تُستخدم للتنقل بين ضفتي النهر، حيث يوجد معابر مائية صغيرة تتوزع على أطراف النهر ويستخدم فيها سفن صغيرة لنقل الأهالي في رحلة محفوفة بالمخاطر كما تصفها “سهام العجاج”.

“العجاج” لا تجيد السباحة، إلا أنها وبحسب ما قالت لـ”سناك سوري”، تضطر للعبور إلى الضفة الأخرى مع بقية الركاب «وقلوبنا يملؤها الخوف من الزورق الصغير في رحلة لا نعرف إن كنا سنصل إلى بر الأمان بعدها»، هو واقع مؤلم يذكر باللاجئين السوريين الذين ابتلعهم البحر في رحلة “البلم”.

“عمر المحمود” صاحب سفينة على أحد المعابر قال إنهم ينقلون البضائع والسيارات والمواطنين، مضيفاً أنه «وخلال عملنا نتعرض للكثير من الصعوبات وخصوصا مع ارتفاع منسوب مياه النهر ووقعت الكثير من الحوادث منها غرق سيارات بسبب الحمولة الزائدة».

لا يوجد إحصائيات رسمية لعدد ضحايا الغرق، لكن وبحسب المتداول فإن 10 مواطنين على الأقل لقيوا حتفهم غرقاً، في حين تجاوز عدد الضحايا خلال محاولات العبور بين ضفتي “الفرات” نتيجة قصف طيران التحالف المئات.

أمام هذا الواقع كان لابد من حل سريع لكنه لم يأت بعد، إلا أن تصريحات محافظ الدير “عبد المجيد الكواكبي” تبدو مُفائلة إذ أكد أن هناك خطط بديلة يتم العمل عليها بالتنسيق مع وزارة الأشغال ممثلة بفرع شركة “الطرق والجسور” وسيكون هناك حلول خلال الأسابيع القادمة، لافتاً عن وجود دراسات فنية لكامل الجسور تنتظر الوقت المناسب.

اقرأ أيضاً: “سوريا”.. عائلة محظوظة تنجو من الغرق!

الجسور قبل الحرب

بلغ عدد الجسور قبل تدميرها خلال سنوات الحرب، ٢٦ جسرا منها ١٤ جسراً على نهر الفرات، و١٢ جسراً على الوديان السيلية، وكانت جسور “دير الزور” تمتاز بطابع حيوي وسياحي هام.

ومن أهم هذه الجسور جسر “البعث”، وجسر السياسية الذي يقع على الفرع الكبير لنهر “الفرات”، وجسرا “الثورة” و “الكنامات”و يقعان على الفرع الصغير للنهر، إضافة لجسور المشاة، جسري “محمد الدرة” و”إيمان حجو” وجميعها كانت تقع في مدينة دير الزور.

وهناك أيضاً جسر مدينة “الميادين” وهو الجسر الوحيد في مدينة “الميادين” ويقوم بربط القرى الواقعة في بادية “الشامية” “بالجزيرة”.

اقرأ أيضاً: الجسور المدمرة تحول دون متابعة سوريين “لتعليمهم”

ويوجد جسران حربيان مصنّعان من الحديد والخشب وتتميز هذه الجسور بإمكانية فكها وتركيبها في أي موقع آخر وهي جسر مدينة “العشارة” إلى الشرق من الميادين، وجسر “حلبية وزلبية” في الريف الشمالي الغربي، وآخر الجسور النهرية جسر “مدينة البوكمال”.

أما الجسر الأبرز والأشهر فهو الجسر المعلق وهو معلم أثري وسياحي اشتهر في المدينة شيده الفرنسيون في العام ١٩٢٠ وافتتح في العام ١٩٣٢ و بات مع تنفيذ الجسور الإسمنتية مخصصاً للمشاة فقط ودُمر في العام ٢٠١٣، حيث تتهم المعارضة الحكومة بتدميره في حين يؤكد ناشطون أن التحالف هو من دمره.

اتهامات للتحالف بتدمير الجسور

خلال سنوات الحرب وفي الفترة الأخيرة بدأ التحالف الأميركي خلال حربه المفترضة على داعش بتدمير ممنهج للجسور عبر قصفها وقطع أوصال المحافظة وبالفعل تمكن من تقسيمها إلى منطقتين “الشامية”، و”الجزيرة”.

يقول الباحث والكاتب السياسي “د.عدنان عويد” لـ”سناك سوري” إن «تدمير الجسور تم قبيل فترة وجيزة من استعدادات الجيش وحلفائه لفك الحصار الخانق الذي فرضه داعش على دير الزور والذي وصل لمراحل خطرة هددت بخروج المحافظة بالكامل عن سيطرة الدولة السورية».

وأضاف: «أتى التدمير في سياق المنظور العسكري بتمزيق التواصل الجغرافي لعناصر وقواعد ومرتكزات تنظيم داعش، غير أنه يحمل مشروعاً لا ينتهي بانتهاء التنظيم، بل سيستمر بالاستثمار في المنطقة أقصى غايات الاستثمار».

اقرأ أيضاً: “سوريا” نداءات لإعادة الإعمار في مدينة الجسور السبع

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع