دمشق تدفع ثمن تفريغ الإعلام والمجتمع المدني من دورهما

من نتائج قصف دمشق

دمشق تألمت مرتين، مرة عندما تساقطت عليها القذائف كالمطر، ومرة عندما عجز الإعلام والمجتمع المدني عن نقل معاناتها

سناك سوري – بلال سليطين

تدفع دمشق اليوم ثمن تفريغ السلطة السورية للإعلام والمجتمع المدني من دورهما ومضمونهما سواء خلال سنوات الصراع وحتى خلال العقود الطويلة الماضية.

تتعرض دمشق اليوم لقصف غير مسبوق على الشوارع والأحياء والمدارس والأبنية على المارة والأطفال والآمنيين، على المستشفيات والسرافيس والباصات، إنها قذائف عمياء تصيب كل شيء ولا تميز بين حجر وبشر.

إلا أن ما يحدث في دمشق يقتصر على سكان دمشق وبالكاد تصل أنباؤه إلى باقي المحافظات السورية، وإن وصلت فإن صورة الواقع لا تصل بشكلها الحقيقي، أما دول الجوار ودول العالم فهم لا يعرفون شيئاً عما يحدث في العاصمة السورية، يقول قائل إنهم لا يريدون أن يعرفوا، يأتي الرد هل جربت أن تعرفهم قبل أن تقول إنهم لايريدون المعرفة!!؟.

هذا الواقع هو نتيجة منطقية لتفريغ الإعلام من محتواه ودوره على مدى عقود، وخلال سنوات الصراع الماضية بشكل أدق، حتى أصبح عاجزاً عن إنتاج خبرٍ يليق بضحايا دمشق، عن إظهار صورةٍ تعبر عن واقع عاصمة يتغنى أنها أقدم عاصمة بالتاريخ، هو فقط يعرف كيف يقدم خطاباً خشبياً عن أن دمشق بخير وأن القذائف لم تستطع أن توقف الحياة فيها وأن الناس مستمرون في حياتهم، بينما عشرات وسائل الإعلام في الخارج تبحث عن صورة أو فيديو عن دمشق فلا ترى إلا محاولات صغيرة من ناشطين لا تصل أبعد من الدائرة القريبة، ومئات القنوات ووسائل الإعلام الأخرى تنتج مئات الفيديوهات عن الغوطة وتتجاهل العاصمة.

اقرأ أيضاً: أحرار الشام “تزيد التصعيد” وتهاجم إدارة المركبات

هذا الإعلام عجز عن مواكبة الأحداث والعودة بها إلى نقطة البداية التي ولّدت هذا الإنفجار العنفي الكبير الذي تشهده العاصمة دمشق وغوطتها، هذا التوتر الذي انطلقت شرارته تماماً بتاريخ 15 تشرين الثاني 2017 عندما أعلنت حركة أحرار الشام الإسلامية ومعها مجموعة من الكتائب الإسلامية في الغوطة بدء معركة “بأنهم ظلموا” بقصد السيطرة على إدارة المركبات في دمشق هذه المعركة التي شكلت خرقاً واضحاً لاتفاقية خفض التوتر.

“بأنهم ظلموا” تطورت تدريجبياً وبدأ بعدها تجنيد المقاتلين للانضمام إليها وتم إغرائهم بأن النقل إلى المعركة مؤمن بالمجان، وفي 29 من الشهر ذاته انقلبت الكتائب الإسلامية على مبادرة التسوية في القلمون الشرقي ورفضت اللجنة الممثلة للمنطقة في التفاوض بعد أشهر على انطلاق المفاوضات وقرب توصلها إلى تسوية ما عطل العملية حينها.

بعد ذلك عادت الكتائب الإسلامية وأطلقت الهجوم الثالث من معركتها “بأنهم ظلموا” والتي بدأت عشية مؤتمر “سوتشي” من خلال تفجير انتحاري استهدف أيضاً إدارة المركبات، التي تسيطر عليها الحكومة السورية.

اقرأ أيضاً: عشية “سوتشي” غرفة عمليات “بأنهم ظلموا” تطلق المرحلة الثالثة من معركتها

كل هذه الأحداث السابقة هي التي دمرت اتفاقية خفض التوتر فعلياً وحولت المنطقة إلى جحيم بعد أن كان الاستقرار قد عاد تدريجياً وأسعار المواد قد انخفضت في الغوطة وعاش أهلها فسحة من الأمل الذي بددته المعركة بسرعة وأعادت الجنون إلى الأسعار وبعده عاد الموت بكثافة بالقذائف والغارات على الغوطة.

هذا الواقع هو نتيجة منطقية أيضاً لتفريغ المجتمع المدني من هدفه ودوره وتجميده تماماً أو تحويله إلى موزع سلال في أحسن الأحوال أو صورة على حائط نريها للضيوف وقت نريد، حتى أصبح هذا المجتمع المدني عاجزاً عن إنتاج تقرير واحد عن واقع دمشق وإرساله إلى المكاتب الإنسانية التابعة للأمم المتحدة إلى مكتب المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن … إلخ، بينما كانت في الوقت ذاته عشرات ومئات التقارير تصل إلى هذه المكاتب وتتحدث عن الغوطة فقط وتتجاهل العاصمة وضحاياها في استهتار واضح بالقواعد الأخلاقية والإنسانية للعمل المدني.

تقرير وحيد حمل عنوان القذائف على العاصمة تودي بحياة عشرات الأبرياء وصل إلى مكتب المبعوث الأممي ستيفان ديميستورا أول أمس عن واقع دمشق بالتفاصيل والأرقام والصور كان كفيلاً بدفع المبعوث الأممي لإطلاق تصريح صحفي بالأمس يطالب فيه بوقف إطلاق القذائف العشوائية على دمشق، هذا التصريح للسيد ديميتسورا كفيل لوحده بالإضاءة على أن هناك شيء ما يحدث في دمشق وأن هناك ضحايا مدنيون أيضاً وأن هؤلاء لهم حق التعاطف معهم والتفكير بهم والإشارة إلى الفصائل المسلحة والكتائب الإسلامية في الغوطة التي تستهدفهم ووضع حد لهم أيضاً، بدل الاستثمار في الضحايا ووجعهم بطريقة قذرة لتحقيق مكاسب سياسية ضد طرف آخر.

اقرأ أيضاً: ديميستورا: يجب وقف القصف العشوائي على دمشق

سيقول قائل إن هناك مؤسسات حكومية ترسل تقارير، إلا أن التقارير الحكومية لا يمكن أن يكون لها صدىً، هذا دور منظمات المجتمع المدني، وعلى اعتبار أن منظمات المجتمع المدني السوري الموجود في الخارج مصطفة سياسياً وترى بأغلبها بعين واحدة فإنها لا تأتي على ذكر دمشق وتقتصر تقاريرها على الغوطة، وبالتالي فإنها مسؤولية المنظمات الموجودة في الداخل السوري لكن أين هي هذه المنظمات؟! للأسف لقد كبلتها السلطة وجعلتها بلا دور.

هذا الواقع جعل دمشق تتألم مرتين مرةً عندما تساقطت عليها القذائف مثل زخ المطر، ومرة أخرى عندما لم يستطع الإعلام والمجتمع المدني نقل معاناتها للعالم، إذا لم يكن للحكومات فإلى الرأي العام العالمي الذي يجهل تماماً ما تشهده دمشق.

بلا أدنى شك فإن ما تشهده سوريا هو صراع دمّر القيم والمعايير الإنسانية حتى صار التمييز بين الضحايا أمراً لا يخجل منه بعض العاملين بالشأن الإنساني، هذا الواقع جعل في سوريا ضحايا مظلومين في دمشق وآخرين لهم من ينصرهم في الغوطة الشرقية، رغم أن الإثنين ضحايا والإثنين لابد من فعل يوقف سقوطهم ويجنبهم كمدنيين نتائج هذا العنف،وحتى تحول المساعي دون موت الناس في الغوطة ودمشق فهم يريدون فقط أن يتم العدل بينهم كضحايا، علماً أن هذا العدل بين الضحايا هو بداية الطريق لدفع إلى الحل.

اقرأ أيضاً: القذائف على العاصمة تودي بحياة عشرات الأبرياء

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *