دبلجة القيم – ناجي سعيد

ناجي سعيد

الآن أيقنت أن الناس: بتجيب الدبّ عا كرمها!!.

سناك سوري- ناجي سعيد

“ما حدا بيجيب الدبّ ع كرمه”، لقد شاع هذا المثل الذي يُستعمل في ميدان العلاقات الشخصية، ولا يخطر ببال أحد بأنّ هذا الدب جسمه “لبّيس” فمن الضروري وجود رقابة تربوية على الكثير من الأمور في حياة العائلة. وبفتح سيرة التربية، أود أن أخبركم عن الطريقة التربوية التي اعتمدتها مع ابنتي، ومن ثمّ أربط مقالتي بفكرة الدبّ الذي أفلته الناس داخل بيوتهم.

لم أتوقف يومًا عن الحديث مع ابنتي حين لم يتجاوز عمرها العامين، نعم وكثيرًا ما كان الزبائن في “المول التجاري” يحدّقون استغرابًا من هذا الرجل الثلاثيني كيف “يقلّل” عقله ويخاطب طفلة لم تتجاوز العامين كما يظهر، وكانت طفلة كباقي الأطفال حين ترى السلع المعروضة من الحلويات والسكاكر، تسارع قرب الرفّ لتأخذ ما تريد، وعند رفضي تبدأ بالنقّ طبعًا. وقد كان العلاج تربويًا وليس سحراً، فقد كنت أنحني إلى مستوى قامتها الصغيرة وأقول: “بابا لقد حصلتي على مصروفك لهذا الشهر كما اتفقنا، يمكننا الشهر القادم أن نأتي إلى هنا لشراء ما تريدين من مصروف الشهر القادم”. وقد كان الجواب يأتي منها بالموافقة إيماءاً ونذهب.

اقرأ أيضاً: الشباب ثروة وثورة_ ناجي سعيد

ما اقتنعتُ به واتّبعتهُ تربويًّا وأظنّ أن أغلب الناس لا يدركون ذلك، هو أن الطفل يمكن الحديث إليه باللغة السليمة، حتّى لو لم يستجب فهو يفهم جيّدًا ولكنه لا يملك الإمكانية البيولوجية للتعبير عمّا يجول بداخله من ردّ أو جواب. فلم أجدّ تفسيرًا لاستخدام لغة مبتكرة من الكبار، إلّا أن هذا الإبتكار نابعٌ من مخيّلة الكبار الذين يعتقدون بأن الطفل لن يفهم ما يقولونه. نعم فمن اخترع: “بدّك تاكل نّني؟ بدك تشرب نبوّا؟ بدك تعمل أعّي؟ ما تحط هيدا بتمّك كخّح..” يظنّ نفسه بأنه يخاطب الطفل بلغة مُبسطّة ليفهمها. وهذا استعلاء لا مبرّر له سوى نقص عند الكبار، على مستوى إدراك الذات والحاجة للتقدير، فالطفل مرآة للمحيط الذي ينمو بكنفه. فلو كان ينمو ويرى أن المُحيطين به جميعاً يقول شيئاً، فيعتقد بأن هذا هو الصحيح المُعتمد، ويسحب ذلك الأمر على كّل شيء وليس فقط على اللغة، فالمعرفة كما هو معروف لها ثلاثة أبواب: الحواسّ/ اللغة/ المعتقد.

الباب الأوّل مادّي ومباشر، ويمكن أن نتعلّم منه الكثير من الحقائق، حتى لو تعرّض للخداع بعض الأوقات (كالسراب مثلاً). والثاني يُضبط ويمسك من النظام التربوي المستمدّ من العائلة والمدرسة والمصدران حبيسا الصندوق التقليدي، والأخير هو من تتحكّم به العائلة، ولكن مُحرّكها هو مدى اتّفاق العائلة مع الدين أو بُعدها عنه، فالمعتقد ينبع لدى الناس من الميراث الذي خلّفه الدين، على تعدّده واختلافه، والخلافات التي وصمت التاريخ بانقسامات أنتجت مذاهب ومِلل، وقلّ ما أنتجت دولة عصرية متنوّعة. والدولة العصرية المتنوّعة، تهتمّ بمواطنيها عن بُعد، فلا تترك مسربًا يؤذي وجودها القِيمي والثقافي، فالقيم والثقافة هما عامودا الأساس للهوية الوطنية.

اقرأ أيضاً: كورونا ومقاومة مكمن العنف – ناجي سعيد

يدّعي الناس عامةً ولاءهم وإخلاصهم لوطنهم الحاضن، شعار يطلقه أي مواطن، نظريًا، لكن عملياً أسألُ مُطلق الشعار هل تشاهد على التلفاز مسلسلات مُدبلجة؟ وهل تتابع أحداث المسلسل بشغفٍ كبير؟ هل تهتمّ للتفاصيل غير الشكلية؟ وأقصد بالشكلية كل ما يتعلّق بالديكور والملابس والاكسسوارات، فكثيراً ما أسمع تعليقات المشاهدين من أفراد العائلة: واااااو شو حلو فستانها!! يا الله ما أجمل ساعته!! معقول ملاّ سيارة راكبين!!. ومن دون انتباه لما هو أخطر، وغير شكلي، وتحديدًا “قيمي”. فتدور قصص الحب والخيانة الزوجية، وكأنها أمر اعتيادي في منظومة قيمنا. هذه “صاحبة” ذلك الرجل الذي هو زوج تلك المرأة ولهما ثلاثة أبناء!!! وقد يضعني أحدهم بخانة المبالغين بسرد هذه التفاصيل وتهويل الأمر من ناحية القِيم، فلا زلنا محافظين على قيمنا وقيم مجتمعنا..

حسناً سأتواطئ معكم على هذه الكذبة وأعلم تمامًا أنّه: “ياما تحت السواهي دواهي”.. لكن أنا أعشق اللهجة السورية في المسلسلات الشاميّة تحديدًا، فهل يعقُل أن يأتي مسلسل تافه لا يملك أدنى معايير العمل الفنّي من كلّ النواحي، ليجعلني أكره هذه اللهجة؟ لو سمحتم اعتمدوا الترجمة.. آااه نسيت أنّ جزء كبير من جمهوركم المُستهدف وليس المُستفيد قد لا يُحسن القراءة، نعم فالبساطة مطلوبة لإغراقها بالجهل، وأسفي على المُتعلّمين وحتى الجامعيين الذي يتابعون تلك المسلسلات المدبلجة، لا بل يتأثّرون ويشعرون بمرارة لو أن العلاقة ساءت بين “فرهات” و”أصلي”، والمصيبة لو وصلت المشكلة للطلاق بين الشخصيتين (من مسلسل تركي يُعرض حاليًّا)، وكأنّ مشكلة طلاق ابنتهم جومانة وخلافها الدائم مع زوجها صبحي لا تكفيهم. وحرمانها من رؤية ولديها، ألم يرعاه النظام الأبوي الذكوري باسم الشرع والدين وبامتياز؟ بالإذن من عادل إمام: ناس عندهم مشاكل بيشتروا مشاكل عشان يعزموا ناس عندها مشاكل.

ولكي أكون إيجابي في طرحي فالبديل عن المسلسلات موجود، هناك الكثير من الأفلام الهادفة التي تؤدّي أهدافاً تربوية وإنسانية ليتحرّر المرء من عبودية الجهل والمعتقدات الخُرافية، وأنا شخصيًّا اعتبر أن ما غيّر حياتي المهنية وساهم في تطوير شخصيّتي هو فيلم شاهدته في التسعينيات واسمه: جمعية الشعراء المنقرضين (Death poets society)

ولا أذكر اسم المُخرج، لكن بطل الفيلم روبن وليامز أصبح حينها نجمي المفضّل.

الآن أيقنت أن الناس: بتجيب الدبّ عا كرمها!!.

اقرأ ايضاً: التغريد بعيداً عن منطق التربية_ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع