خنق التعليم المهني – أيهم محمود

أيهم محمود

لماذا لا نصنع حاجاتنا التقنية؟ لأننا نحتقر العمل ولأننا أعلينا مسبقاً من شأن طبقة النظريين واحتقرنا من يريد العمل

سناك سوري – أيهم محمود

في كل مرة أتحدث فيها مع حلمٍ مبتور أو مع حلمٍ تحقق لكنه بقي عاجزاً عن تغيير الواقع أشعر بتلك الغصة التي لا يعرفها من هو غارق في أمجاد أجداده أو في نقيضها: نفي قدرة مجتمعنا على تجاوز الفارق التطوري بيننا وبين ما نطلق عليه اسم الدول المتقدمة، في كل مرة أسمع خبر انتحار طالب بعد الشهادة الثانوية أقول في نفسي لقد انتحر قبله الملايين حين تم وأد أحلامهم من قبل خلية المجتمع الأصغر: أسرتهم، وفيما بعد مجتمعهم.

اختيار الهوية الإنسانية والعلمية مسألة واحدة وللقضية أيضاً جوانب أخرى، يولد البشر بمواهب مختلفة، بهويات فريدة يجب تنميتها بدل قصها وحشرها في قوالب مجتمعية أو أسرية لا تناسبها، اختيار المهنة هوية ذاتية تقتلها أحياناً أحلام الوالدين المؤجلة وأحياناً أحلام الدائرة الأوسع في الأسرة التي تفرض إيقاعها على العمر الغض الذي لم يتهيأ بعد للدفاع عن مساحته الخاصة: هويته وأحلامه، مسائل الإعاقة في ثقافتنا شائكة ومتشابكة تُنتج أفراداً مؤهلين لحفظ النصوص وترديدها لكنها لا تُنتج من هم قادرين على الابداع والابتكار لأننا نقوم بحذف احتمالات وجودهم في مراحل مبكرة عبر إعلاء شأن طبقة حفظ النصوص ومنحها معظم فرص التعليم العالي.

اقرأ أيضاً: لو كنتُ مسؤولاً _ أيهم محمود

قد يكون هذا الرأي مستهجناً لدى معظم القراء لكن لننظر جميعاً إلى عجز مجتمعنا عن ابتكار الأدوات التي يحتاجها في أهم فرصةٍ له لتحقيق هذا الأمر: حالة الحصار التي نمر بها، لننظر بعين نقدية جارحة إلى حالة العجز والاستسلام للحصار المطبق علينا وانتظار استيراد كل شيء تقريباً، لا يمكن أن تتقدم المهن الصناعية دون تدريب طلابها على العمل اليدوي في سن مبكرة ودون تدريبهم على تصنيع أفكارهم وتحويلها إلى واقع، لا يمكن لمن لم يمسك سوى القلم في كل حياته أن يتجرأ يوماً على تركه والانخراط في ابداعٍ من نوعٍ آخر، التعليم المهني في سوريا فرصة موءودة نصرف عليها رقماً هائلاً من المال دون جدوى فنحن نحكم على من يدخله بأنه سيصبح مواطناً علمياً من درجة ثانية، مواطن بلا طموح لا يُسمح له بدخول الجامعات إلا في حالاتٍ نادرة.

حين نتجرأ على منح مقاعد الكليات الهندسية بنسبة 80% أو ربما أكثر لخريجي الثانويات المهنية نكون قد بدأنا في تشجيع صقل الهوية العلمية الفردية مبكراً ونكون قد بدأنا أيضاً في منع أحلام أفراد الأسرة المؤجلة من خنق الهويات الناشئة لأفرادها، يجب أن يستطيع الطالب اختيار المواد التي يبدع فيها لاستكشاف هويته العلمية في سنٍ مبكرة والسير فيها تدريجياً بدل اختيارها خلال بضع أيام فقط بعد صدور نتائج الشهادة الثانوية وفي ظل ضغوط أسرية واجتماعية هائلة، هذا النظام معمول به في دول كثيرة متقدمة وليس اقتراحاً نريد تقديمه بل أنظمة تعليمية مجربة مستقرة وناجحة، لتطبيق خاص لهذه الآليات في مجتمعنا يمكن الاستفادة من الهيكل العلمي الموجود لدينا، من يريد دراسة الهندسة الكهربائية أو المدنية أو الميكانيكية أو المعلوماتية أو غيرها من بقية الاختصاصات المهنية العلمية عليه الانضمام إلى التعليم الصناعي بدل الذهاب إلى التعليم النظري العام وبهذا نضمن ثلاث سنوات إضافية من صقل الاختصاص ونضمن أيضاً أن يعتاد الطالب على التعامل مع المواد والموارد المختلفة ويتآلف مع فكرة تصنيعها في سن مبكرة.

اقرأ أيضاً: سوريا وخطر الانقطاع العلمي – أيهم محمود

نحن من نخنق فكرة المدارس المهنية ولا نحترمها، نحن من نزرع في نفوس طلابنا ذلك النفور من العمل اليدوي بجعله طبقة اجتماعية أدنى، نحن من نخلق تلك الطبقة الاجتماعية العاجزة التي تتداول شهاداتها الجامعية كسيرة ذاتية يتم تقديمها من أجل طلبات الزواج! والمفاضلة عليها، كل حياتنا مفاضلات قبول مستمرة ولا يتوقف هذا الأمر على دخول الجامعات بعد الحصول على الشهادة الثانوية، لدينا مئات آلاف المهندسين المستسلمين للحصار الاقتصادي، طبقة تعليمية كاملة أهم إنجازاتها هي ما تكتبه الصحف المحلية وتصوره كانتصار مهم حين يتمكن مهندسينا من إصلاح آلة وما نحتاجه حقاً هنا هو صناعةٌ حقيقية تمتد من الألف إلى الياء، لماذا لا نصنع حاجاتنا التقنية؟ لأننا نحتقر العمل ولأننا أعلينا مسبقاً من شأن طبقة النظريين واحتقرنا من يريد العمل، المدارس المهنية فرصة للمفاضلة بين الطلاب: من لديه إمكانات فليدخل التعليم الجامعي أو المعاهد المتوسطة أو يبقى فقط مع شهادة التعليم الثانوي، عندما نحصر تقريباً دخول الكليات الجامعية التقنية بهم سينضم للتعليم المهني مبكراً كل المتفوقين في الفيزياء وفي الرياضيات والهندسة لتتغير نظرتنا للتعليم المهني في كل المجتمع، في هذه الحالة فقط نعيد للعمل موقعه واحترامه، نعيد للهويات المبكرة للشباب الناشئ موقعها واحترامها، نربط في الفكر والممارسة لنحصل لاحقاً على مهندسين لا يهابون الوقوف وراء آلة لصناعة ما يحتاجه مجتمعهم.

اقرأ أيضاً: هروب المجتمعات من ضميرها _ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع