حين لم تلتفت زها حديد إلى الوراء – أيهم محمود

أيهم محمود

الوجه الآخر لقصة المعمارية “زها حديد” التي خسرت مسابقة فاز فيها ابن رئيس مجلس الشعب عام 2007

سناك سوري-أيهم محمود

يقول الخبر الذي انتشر بكثافة في الفيس بوك، أن المعمارية العراقية “زها حديد“، قد تقدمت في العام 2007 إلى المسابقة الخاصة بتصميم بناء مجلس الشعب السوري، إلا أن التصميم الفائز في تلك المسابقة كان لنجل ابن مسؤول بارز حينها مناصفة مع أحد المتسابقين، في حين حلّت “حديد” في المركز الثالث.

ربما لم يسمع بهذه القصة إلا قلة من الناس في زمن حدوثها، عمل هندسي وانتهى بالنسبة إلى كافة الأطراف المشاركة: تلك التي ربحت وتلك التي خسرت، عمل مثل جميع الأعمال التي نمارسها يومياً ولا تحتاج للتوثيق فهي مجرد أحداث صغيرة في حياتنا اليومية، لكن ما الذي حدث لينتشر الخبر بعد عدة سنوات فتصبح المسابقة حديث الناس في مواقع التواصل الاجتماعي يتداولون تفاصيلها بكثافة مع وجود أعمال عديدة للمهندسة الراحلة “حديد”، لم تنفذ ومنها ما تم رفضه حتى بعد فوزها مثل التصاميم المقدمة في مدينة إسطنبول التركية، لماذا يتحدث الناس الآن عن مشروع مجلس الشعب ولم يتحدثوا عن مشاريع إسطنبول أو ألمانيا أو غيرها؟، ربما لدينا هنا درس في التاريخ الإنساني يتجاهله معظمنا لذلك نحاول في هذا النص الإضاءة على بعض جوانبه.

اقرأ أيضاً: طروادة الأمريكية بوابة الرئيس ترامب – أيهم محمود

لم يكن لهذه الحادثة أن تكتسب أهميةً خاصة لو لم تستطع “زها حديد” كسرت طوق المحلية والوصول إلى العالمية، لم تستسلم لعشرات الخسارات في حياتها العملية واستمرت بإصرار في عملية بناء ذاتها، لم تتحدث عن مؤامرات تستهدفها ولم تعلق في فخنا الشرقي الذي يتحدث عن الحسد وأطماع الأعداء بنا، بل انطلقت تبني نفسها علمياً ومعرفياً حتى أصبحت كتلتها أكبر بآلاف المرات من أي كتلة منافسة لها بل أكبر من كيانات سياسية واجتماعية ضخمة، هذا درسٌ أول للجميع: أفراداً ودول وأخص بالذكر أولئك الذين يتحدثون عن المؤامرات والأعداء وهم قاعدون ينتظرون التعاطف والتصفيق لإبداعهم في تشخيص المؤامرة بدل السعي في مناكبها كما فعلت زها في حياتها الخاصة وحياتها المهنية.

المعمارية العراقية الراحلة زها حديد-انترنت

الدرس الثاني مختلف وهو يقع على النقيض مع ما أنجزته زها في حياتها: بناء سمعتها العلمية، في مسابقة مجلس الشعب قد يكون التصميم الفائز فعلاً هو الأنسب أو كما علقت صديقة على تصميم الراحلة زها: تصميم جميل ومميز لكن لم يكن يتناسب مع النسيج العمراني للمنطقة المحيطة به، كل هذه المعلومات العلمية والهندسية قد تكون صحيحة وهي نقطة خلاف طبيعية فالعمارة تتعلق في كثير من جوانبها بعلم الجمال وهو مجالٌ واسعٌ لاختلاف الأفراد فكلٌ منا له مقاييسٌ خاصة للجمال وخسارة “حديد” للمسابقة قد تغدو في ضوئه منطقية ومبررة.

كل تلك التفسيرات مقبولة في الحالة الطبيعية لكن ما لدينا هنا حالة استثنائية تمثل النقيض لما فعلته “حديد” في حياتها: بناء سمعتها، ما فعله السوريون عموماً – وليس فقط النظام السياسي أو الاقتصادي العام – هو عملية تدمير ممنهج لسمعتهم، الفساد والغش في المنتجات والوعود التي لا تملك أساساً واقعيا لها ليست سمة المسؤولين والمؤسسات العامة فقط بل هي سمة معظم انتاجنا الصناعي وإنتاجنا الثقافي والخدمي والتجاري، تآكلت ثقة السوريين بأنفسهم تدريجياً وهم يستوردون البضائع الفاسدة من الصين، وهم يصنعون المواد دون دراسة علمية لتحسين جودتها، ودون تقيد صارم بالمواصفات العالمية.

اقرأ أيضاً: حروب الطاعة والتمرد_ أيهم محمود

تآكلت وهم يرشون ويرتشون، وهم يغشون في مواد البناء، وهم يُطلقون الأحلام والخيالات في حياتهم الشخصية دون أن يرافقها في الواقع عمل منظم وجاد لتحقيقها، الأنظمة السياسية والاقتصادية والتجارية جزء من ثقافة شعبٍ أنهكه الفساد والتقاعس والجهل، لذلك تداول السوريون قصة “حديد” وخسارتها كمثال على الفساد، وأنا أعيد طرحها هنا برؤية أخرى تتناقض مع طريقة الصياغة التي قرأتها في الفيسبوك: أن يقوم كل منا بما عليه من عمل ويترك الباقي للتاريخ الذي لا يمكننا التنبؤ بمساره ولا يمكن لمن تعلق بوهم سيطرته عليه أن يحتويه ويُخضعه لرغباته.

قد تنقلب الحقائق وأمزجة المجتمعات في لحظة، كثير من المواد الكيميائية تبقى مخزنة لسنوات طويلة ثم تتفاعل في زمنٍ توافرت فيه الشروط المناسبة لتختفي كلها خلال دقائق أو ربما خلال ثواني، ونحصل على مواد جديدة لم تكن موجودة من قبل مع اختفاء القديمة كلياً أو تضاءل تأثيرها وأثرها، أنا أخاف التاريخ لذلك أمشي في الطريق التي لم تخترعه “زها حديد”، بل مشت فيه ووسعته مثل ملايين ومليارات البشر الذين رحلوا قبلنا وعلى من اختار الطريق الآخر المختلف أن لا يهتم كثيراً بما ورد في هذا النص، فليتابع ما بدأه في حياته دون أن يكترث بما نكتب فلو كان يقرأ لما مشى في طريقه هذا.

اقرأ أيضاً: المنظومة العلمية وإغواء الشهرة_ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع