حين انقسم السوريون مرة واحدة و إلى الأبد!

الثنائيات المتعددة في الانقسام السوري وصولاً إلى “عباس النوري”

سناك سوري _محمد العمر

ظهرت ملامح خجولة للانقسام بين السوريين قبيل بداية الأزمة السورية بقليل مع بداية “الربيع العربي” في عدة دول عربية و لكنه أخذ يتضح أكثر مع اندلاع الأزمة منتصف آذار 2011.
بدأ الانقسام يحتدّ تدريجياً مع تسارع الأحداث بشكل دراماتيكي فظهرت ثنائية موالي / معارض كمعيار للانقسام و تراشق الاتهامات الجاهزة حيث كل موالي “شبيح مجرم مخبر ” و كل معارض “خائن عميل مأجور” كانت التهم جاهزة دوماً.(هو هذا الانقسام كان موجود قبل بس كان بداخل بعض الأشخاص، و2011 طلع لبرا).
مع احتدام الأزمة و بداية الصدام العسكري و ظهور الجماعات الإسلامية اتجه الانقسام إلى البعد الطائفي و ابتعدت ثنائية موالي/معارض لتظهر انقسامات على أسس طائفية و بالطبع فثمة تهمة جاهزة لكل طائفة و مذهب.
مع الوقت تعمّق الانقسام ليأخذ بعداً مناطقياً أيضاً، و كل منطقة متهمة أيضاً من منطقة أخرى لها تهمتها أيضاً.
تقوم قاعدة الانقسام على أساس واضح، إما ملائكة و إما شياطين و بالتالي فإن معيار التعاطي بين النقيضين هو الإلغاء حيث لا يصحّ وجود الطرفين معاً، فوجود أحدهما يؤدي بالضرورة إلى إلغاء الآخر.

لم تعد البلاد ذات الطوائف المختلفة و الأعراق المتنوعة تتسع لرأيين مختلفين، و ما بدأ على شكل اختلاف وجهات  نظر انتهى إلى حروب لإلغاء الآخر المتهم بأقسى أنواع التهم، الآخر المتربص بنا، الآخر الذي يجب أن نقتله قبل أن يقتلنا، أن نهزمه بعد أن نشبعه تهماً و صفات بشعة.
معارك الميدان على الأرض كان لها صداها في مواقع التواصل الاجتماعي حيث ظهرت حدة الانقسام في النقاشات بين السوريين في المواقع التي أصبحت ساحة للشتائم و الاتهامات و التخوين المتبادل، منصة للتجييش و التحشيد و تربية الكراهية.
يقول” زياد الرحباني” على لسان شخصية “رشيد” في مسرحية “فيلم أميركي طويل”«أنا ما بعطيك رأيي، أنا بفرض رأيي» و على هذا مشى السوريون بغالبيتهم، رغم أن نسبة كبيرة من هذه الغالبية تتغنى بقيم الديمقراطية و حرية الرأي نظرياً لكنها غالباً تتحول إلى نماذج قمعية حال دخولها أي نقاش مع الآخر المختلف معها مهما كان موضوع النقاش صغيراً أو هامشياً فالخاتمة الحتمية للجدال هي شيطنة الآخر و ادعاء الملائكية!
المشهد الذي خلّفته المقابلة الإذاعية مع الممثل السوري “عباس النوري” التي أبدى فيها رأيه في شخصية “صلاح الدين الأيوبي” يعتبر نموذجاً لغياب ثقافة تقبّل الرأي الآخر في أيّ مسألة، و يظهر حجم الكارثة حين نعرف أننا لم نتعلم من دروس الحرب المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات أن نتقبّل آراء غيرنا و أن نتعلّم ثقافة اختلاف الرأي حيث لا يستدعي إبداء رأيٍ ما كل تلك الحملات من الهجوم و الشتائم و التخوين.

هذا ليس موقفاً مما قاله “النوري” ولا من نبش التاريخ والتنقيب فيه بهذا الظرف الذي يعزز الانقسام، وإنما هو موقف من عدم قبول الرأي الآخر والبحث عن تفاصيل هنا أو هناك من أجل شيطنة من يقول رأياً يخالف رأينا بدل تفنيد هذا الرأي والرد عليه بالحجة والبرهان.

اقرأ أيضاً : “مازن الناطور”: «هدول خسروا وهدول خسروا.. ألا يكفي»

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع