الرئيسيةشباب ومجتمع

كهنة آمون في المسجد حيث كنت أصلي

حكاية رجال دين ومشرّد اتهم زوراً بسرقة حذاء من باب المسجد

سناك سوري – شاهر جوهر

في الأيام الأخيرة بت ألتجئ إلى المسجد أكثر من ذي قبل، لربما إنها عودة، أتمنى أن تكون كذلك بحق، لأننا جميعاً بحاجة إلى عودة حقيقية إلى الله في هذه العصور المظلمة، ليس لأن “الدين للفقراء” ولا لأنه “أفيون الشعوب”، ولا لأن “الدين لله والوطن للجميع”، بل لأننا كلنا عيال الله ولله، كما أؤمن.

لكن يومياً تختبرنا الحياة بأبشع صورها، تكشف وتعري أمامنا صور أولئك الذين من المفترض أن يكونوا كما دعتهم الكتب السماوية “ظل الله على الأرض”. أولئك الذين نعيش بينهم ونقدم لهم قرابين وهبات أسبوعية تسمى “تبرعات”. أولئك الذين يعرضون أزياءهم أمامنا كل يوم بسراويل قصيرة وشارب محفوف ولحية معدلة الكترونياً تحت عمامة بحجم هذا الخراب في هذا الوطن الذبيح.

إذ يستدعيني موقف البارحة لأعيد التفكير مجدداً، فالبارحة خارج المسجد تحلّق المؤذن والخطيب ومصلّون وتجار صغار حول مشرد فقير، قد يبدو ذلك المشهد درامياً أكثر من اللازم، لكنها بحق هي كذلك في هذا اليوم الحار والجاف.

دسّ المؤذّن يده في نطاق سراول ذاك المشرد من الخلف كي لا يدع له فرصة في الهرب، ثم اتهموه بسرقة إحدى (شحاطات) المسجد الجديدة. تصبب المسكين عرقاً، وجهه الأسمر المتسخ أصبح داكناً، قميصه المقلّم والدبق بالزيت والتراب والباهت بفعل الشمس كان ممزقاً. وحتى يدافع عن نفسه كان يقول بخوف عبارة واحدة فقط (ما سرقت). الخوف من لحاهم الطويلة وملافظهم الفصيحة ربما قد داس على مخارج حروفه. فقام أحدهم وهو صاحب دكان كبيرة بضربه بجمع كفه على كتفه (كيف تسرق من بيت الله؟!، ما بتخاف الله). كذلك فعل الخطيب أيضاً، بل كذلك فعلوا جميعاً.

سألت نفسي، إن كانوا يؤمنون فعلاً أنه “بيت الله” لما تجمعوا جميعهم على مشرد أخذ من بيت الله. بل لما لم يقل أحدهم أنه بإمكانهم شراء “شحّاطة” له من تبرعات المسجد، تلك التبرعات التي يتقاسمها الخطيب كأجر مع المؤذّن.

إن كانوا يؤمنون فعلاً أنه “بيت الله” لما تجمعوا جميعهم على مشرد أخذ من بيت الله

أما أنا فلا أبرئ نفسي، فقد جبنتُ أنا الآخر عن قول كلمة حق في وجه كهنة آمون من هذه الشريحة الكهنوتية التي باتت تتكاثر في بلادنا. فليعذرني الصالحون منهم، فأنا أعلم أن التعميم عماء كما يقول “أحمد ابن حنبل”، لكن لربما ما لايعرفه الصالحون اليوم أن (حبة البندورة الفاسدة قد تفسد أخواتها).

اقرأ أيضاً: “البعث” يدعو رجال الدين لمحاربة الفساد

تلفّت المشرد محاولاً الهرب فأسرع الخطيب يتمسّك به بكلتا راحتيه فبدا ذاك المسكين كحبة توت تركت أثرها على ثوب الخطيب الأبيض. كان ذلك إلى أن اقترب أحد العابرين من المكان، والذي سرعان ما انتصر لذاك المسكين، فقال (أنا من اشترى له ذاك النعل)، وقام بإثبات ذلك من بائع الأحذية.

حُلّت القضية، اعتذر الجميع من ذاك العابر وتركوا ذاك المشرد مكسور الخاطر بلا اعتذار، كأحد حثالة هذا الوطن الذي لا يمتلك إحساساً. تفرّق الجميع كما لم يفعلوا شيء، كما لم يكن هناك ضمير يتألم لِما فعلوه. المؤذّن ذهب يتمايل إلى رزقه يبيع الدخان والأراجيل، وذهب خطيب المسجد يبحث عن فتوى دينية يجني من ورائها المال، في حين تفرّق التجار الآخرون أمام محالهم التجارية يغازلون الصبايا من على جنبات الطريق.

لقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع

جلست على جزيرة وسط القرية أتذكر قول صديق قديم قال لي ذات مرة، رجال الدين هؤلاء مثل طالب الثانوية العامة، حين تراه يفشل في تحصيل معدل جيد لدخول فرع جيد فهو يلتجئ لقسم الشريعة، لهذا تجد أغلب رجال الدين من حولك فاشلين، في حين أن بعضهم يفشل في تحصيل رزقه بعرق جبينه فيلجأ إلى المتاجرة بالدين و يستقوى على الفقراء، مقابل البعض الآخر الذي اختار الدين عن قناعة وإيمان.

الخير يا سادة، بل كل الخير اليوم أن نعي جميعاً أن “لقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع”.

اقرأ أيضاً: روبوت قد يشكل خطراً على رجال الدين في سوريا؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى