حتى لا تعاد مأساة حلب .. التباكي على الغوطة بلا فائدة

سناك سوري – أنس جودة

منذ عدة أعوام وقف بضع أشخاص هم آخر من بقي من أطباء الغوطة في قلب الدمار متحدين سلطة السلاح ليقولوا لكل العالم نريد الحياة، نريد أن نعيش كبشر.

ومنذ عدة أعوام أيضاً يعمل عقلاء قريبون من السلطة وغيرهم من عدة أطراف محاولين تجنيب الغوطة ودمشق والمدنيين فيهما ويلات القتل والقصف والدمار، نجحوا أحياناً وأبعدوا عن هدفهم أحياناً أخرى. عرقلت المساعي أطماع سياسية لإمعات تسلطت على رقاب المدنيين واستغلال إقليمي للسلاح في الغوطة ومصالح ضيقة لاقتصاد الحرب كما عرقلها تعنت أمني وقصر نظر وعدم ثقة ولكن العنوان الأساس للعرقلة كان الاستخدام السياسي للمأساة، فلم تدخل العديد من قوافل المساعدات لأن المسلحين أصروا أن يتم دخولها من طرق معينة حتى تذهب لسيطرة هذا الفصيل أو ذاك، وفشلت هدن كثيرة لأن فصيلاً خرب الاتفاق، لم تتعاون السلطة في حالات كثيرة لأنها اعتبرت أن كل النداءات الإنسانية مفتعلة وغير حقيقية وعزز هذه القناعة أن من يرفع الصوت بها له عين واحدة وأذن واحدة وداعم واحد، ولكن عندما كانت تنجح بعض المساعي للهدن كانت تنخفض أعداد المسلحين بشكل كبير فوراً لأن فرص العمل الكريمة تصبح متاحة أكثر ولأن الناس تريد الحياة الآمنة الإنسانية وعندما يشتد الحصار وتقل موارد الرزق تزيد الأعداد طمعاً في الحصول على لقمة عيش ولو كانت مغمسة بالدم فصوت جوع الأطفال في البيوت أعلى وأثقل على القلب والروح.

في المحصلة باءت كل المحاولات بالفشل حتى وصلنا اليوم إلى تصعيد سياسي وعسكري عالي المستوى لارجعة عنه حتى يتم التوصل لحل واتفاق فـ “دمشق” هي العاصمة والغوطة خاصرتها والمعركة إن حدثت ستكون أم المعارك الحاسمة على الصعيد الإقليمي وبما أن الحسم سيكون سياسياً في نهاية المطاف كما جرت الأمور في مسار هذه الحرب غير الاعتيادية فمن الأجدى التعلم من دروس الماضي موفرين بالحد الأدنى أرواحاً بريئة ليس لها في دوامة الموت ناقة ولاجمل.

في حلب عرض ديمستورا خطة لتجميد النزاع في المدينة ومالايعرفه الكثيرون أن “دمشق” وافقت على هذه الخطة بالكامل ووعدت المبعوث الدولي بتسهيل مهمته ودعمها ولكن هذه الخطة لم تكن مرسومة على الهوى التركي فما إن غادر “ديمستورا” العاصمة “دمشق” متجهاً إلى “أنقرة” حتى أعلن من هناك بشكل مفاجئ إنهاء الخطة محملاً السلطة السورية المسؤولية عن الفشل وطبعاً كما هو معروف تصعّدت الأمور عسكرياً حتى اتفقت تركيا مع الروس وخرجت المجموعات المسلحة التركية مع أول المغادرين باتجاه منطقة درع_الفرات تاركة خلفها حطاماً ودماراً ومخازن مليئة بالأدوية والأغذية بينما كانت الناس جوعى وصفحات التواصل والإعلام تضج بطلب المساعدة والغوث وطلب وقف القتال بحجة سلامة المدنيين، بينما كانت المجموعات المسلحة تقصف المعابر التي تم فتحها لخروج المدنيين محتجزة إياهم كرهائن تفاوضية.

وما إن انتهت المعركة حتى عّم الذهول وشعور الخسارة والخيبة لدى الكثيرين كأن انتصار مجموعات النصرة وأشباهها لو تم كان سينقل سوريا لتصبح سويسرا الشرق في العَلمانية والديمقراطية والمواطنة، لكن في المحصلة مرحلة ماقبل الاتفاق شهدت مآسي انسانية تعرض لها المدنيون في الأحياء الشرقية والغربية، وهذا السيناريو على مايبدو يراد له من قبل البعض أن يتكرر فهؤلاء البعض ينظرون للضحايا على أنهم سلع للمتاجرة على الشاشات فقط، ويقفون في وجه كل تسوية.

وفي الوعر تمت إخافة الناس بأن “الجيش” إن دخل لن يبقي ولن يذر من قتل واعتقال حتى خرج كثيرون ليستخدموا كأوراق سياسية تشرعن تدخل الدول في العملية السياسية.

وماحدث هناك سيحدث هنا مع فارق التصعيد وقد لانملك كسوريين القدرة الكاملة على تغيير المسار خصوصاً في ظل اشتداد التنافر الدولي وتضارب المصالح وحدية العقليات العسكرية الممسكة بالملفات في كل الدول المنخرطة بالحرب السورية، ولكن يمكن العمل على تطويعه وتطويره لخدمة المصلحة السورية العليا، فمن المعيب فعلاً أن نعيد بعد سنوات من الحرب والتجارب نفس المواقف ونفس الخلافات والاتهامات والانقسامات بدون جدوى، بينما الأمور أصبحت واضحة أمامنا بأن طريق الخلاص يكون بفتح العينين وسماع الطرفين وخلق توافقات وبناء ثقة بين السوريين أولاً حتى نستطيع اختراق المسار الاقليمي فلايمكن لطرف سوري لوحده أن يصنع الاستقرار السياسي الدائم.

وعلى من يريد أن ينقذ الغوطة اليوم أن يتوجه ببرنامج عمل ذي مسارين متكاملين يعملان على الواقع العسكري وعلى تحقيق اتفاق الهدنة ومايليه من اتفاق نهائي يثبت الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الغوطة على وجه الخصوص وسوريا كلها على وجه العموم.

يعمل المساران على إنهاء الوجود المسلح في الغوطة بشكل كامل وتدريجي باستيعاب العناصر والأفراد ضمن أطر اقتصادية أو إدارية محدثة تعزز النسيج الاجتماعي والحياة الاقتصادية في المنطقة وتكون نموذجا لباقي مناطق خفض التوتر في شكل الإدارة المحلية، فالمجتمع المدني والمحلي في سنوات الحرب استطاع أن يثبت مصداقية عالية سواء من الناحية الإدارية وشبه الحكومية كسجلات النفوس والطابو أو من الناحية الطبية والإغاثية وحتى التنموية لذا فبالامكان البناء على هذه الخبرات لتطوير نموذج إدارة محلية متوازن ومتطور.

اقرأ أيضا : دمشق تفتقد صباحها الهادئ … وجوه حزينة وشوارع خالية

لابد لهذا العمل أن يكون متكاملاً ويوضع كخطة واضحة أمام الجميع تنطلق بها الدولة السورية وأول خطوة   هي الإعلان عن الاستعداد لفتح معبر دائم يسمح بحرية حركة البضائع والأشخاص ضمن الترتيبات الأمنية اللازمة فهذه المبادرة هي الخطوة الأولى باتجاه إنهاء تحكم المسلحين برقاب المدنيين وستعتبر مبادرة صادقة من دولة تجاه مواطنيها يمكن بناء الكثير عليها، فكما رأينا أهالي الهامة وقدسيا والتل وجنوب دمشق يخرجون بمظاهرات رافضين الوجود المسلح وداعين الدولة للعودة سوف نراهم في الغوطة يفعلون الشيء ذاته بمجرد رؤيتهم لأمل بحل دائم ينهي معاناتهم، وعندها يمكن الحديث عن وحدة وطنية قادرة على منع الآخرين من التدخل بشؤوننا فالنسيج الاجتماعي المتماسك هو أساس المنعة الداخلية وليس الاتفاقات الدولية والترتيبات الأمنية التي تراعي مصالح الدول وتنتهي بانتهاءها.

لن تفيد أبدا صناعة الشعارات والصور للتضامن الافتراضي مع الغوطة ولا الوقفات الاحتجاجية ضد صمت المجتمع الدولي عما يحدث فهذه كلها مجرد هبات افتراضية ستنتهي ولن يذكرها أحد بعد يومين وماسيبقى فقط هو جهود مخلصة كجهود البضع أشخاص ممن يعملون بصمت وبعزيمة دائمة لبناء وطنهم.

اقرأ أيضا : بناء الاستقرار على رمال متحركة – الجزء الأول

بناء الاستقرار على رمال متحركة – الجزء الثاني

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *