حازم سليمان…. الأدغال السورية تخسر فتاها الوفي

حازم سليمان رئيس جمعية طبيعة بلاحدود يودع جنته

سناك سوري – بلال سليطين

وأنا أنظر إلى جثمان “حازم سليمان” (1979-2020) رئيس جمعية طبيعة بلا حدود وهو ممدد بلا حراك تداعى إلى رأسي مئات الذكريات معه وهو يتنقل بين الأشجار مثل فتى الأدغال أو يقفز إلى المياه مثل سمكة إكسوسيتيدي (الطائرة)، أو عندما كان يعانق الأفاعي ويتحدث مع السمندل ويداوي حيوانات البراري السورية.

من الصعب جداً تخيل مشهد أن حازم لن يعود ثانية إلى براري سوريا التي كان مخلصاً لها بكل تفصيل فيها، فهو صديق الطبيعة الوفي بسهلها وجبلها بسمائها وأرضها بحيواناتها المفترسة والأليفة بشجرها بمائها بعشبها… الخصم المكروه لكل من يعتدي على جنته (الطبيعة السورية).
من لا يعرف الراحل حازم سليمان يتخيل أنني أبالغ فيما أقول، فهم لم يشاهدوه بعد رحلة مسير ليلي استمرت 13 ساعة ينظر عند الفجر إلى شجرة في غابة قرية “جوفين” بريف جبلة وهي مهددة بالضرر لأنه لم يتم تقليمها، فتسلق إليها حازم وقلمها دون أن يحمل أي أداة، كان يكسر الأغصان اليابسة عبر الدفع بقدميه ويتنقل بينها مثلما كان يفعل فتى الأدغال “ماوكلي” في برامج الأطفال، لم ينزل عن الشجرة حتى اطمأن إليها.
حاول “سليمان” أن يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة والتي أفقدته إياها سرعة الحياة ومفاهيم الحداثة، فأسس جمعية طبيعة بلا حدود وراح ينظم رحلات التعرف على الطبيعة السورية، اعتمد مبدأ إبهار الزائرين بجمالها من خلال استكشاف أماكن لم يكونوا يتخيلون وجودها “وادي الجنة، وادي الجماجم…إلخ” من أماكن أطلق عليها الراحل تسميات أمام زائريه أو حافظ على تسميتها المحلية التي تناسب روعتها، وكذلك اعتمد مبدأ التربية والتنظيم السلوكي للزائرين فلا يسمح لأي منهم أن يلحق الضرر بأي كائن من كائنات هذه الطبيعة، كان يمشي بين السائرين يراقب من يرمي عقب سيجارة في أرض أو بقايا غير عضوية فيجمعها خلفه ويضعها في حقيبة من رماها ومن ثم يحذره من تكرار ذلك قبل أن يضعه على القائمة السوداء ويمنعه من مرافقته، فالقواعد هنا أن تكون صديقاً أو صديقة للطبيعة وليس ملحقين للضرر بها.

اقرأ أيضاً: اللاذقية.. عملية إنقاذ غزال بري كان يُعتقد أنه انقرض

استكشف رئيس جمعية طبيعة بلا حدود مع فريقه مئات الأماكن السورية عرّف أناساً يعيشون في المناطق التي زارها على منطقتهم التي كانوا يجهلون مكامن الجمال فيها، زرع الأشجار، عالج الحيوانات، أنقذ الأفاعي من خلال التعريف عليها والشرح عنها وعن أنواعها في سوريا وقلة ماهو مؤذي منها، وغير ذلك الكثير من الأنسطة والسلوكيات التي كان هدفها حماية الطبيعة وحماية الانسان أيضاً.

نشر “حازم” ثقافته على نطاق واسع جداً واستقبل الزوار من مختلف المحافظات السورية لم تمنعه الحرب نهائياً من ممارسة نشاطه، ووضع قواعد صارمة أمام مرافقيه حول الحديث في السياسة فهو ممنوع تماماً، تحدثوا عن الطبيعة عن مكوناتها، افرحوا امرحوا تدربوا على التسلق على التقليم على السقاية على إنقاذ الحيوانات لكن إياكم والسياسة فهذا ليس مكانها.
لم يكن البعض قادرين على الاستمرار بقرب حازم كثيراً فقد كان شديد الانضباط كثير النشاط، لكنهم لم يكونوا أيضاً قادرين على الابتعاد عنه كثيراً، وكلما اختلفت معه كلما عدت للتواصل معه فهو كالقطار الذي لا يتوقف ومهما ابتعدت عنه وأردت لاحقاً العودة للركوب فيه وجدته في المحطة التي أمامك لتتابع المسير معه، وإن لم تجد أنت المحطة أرشدك إليها بأحد أنشطته مهرجان الرمان الذي أقامه في قريته جيبول على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: سوريا: وفاة البطل العالمي “أسامة عزام”

لقد كان ابن قرية جيبول في ريف جبلة مغامراً، أحياناً يرى بعض من كانوا حوله أنه يحب المخاطرة بينما كان هو يرفض هذا الوصف ويقول إن التنقل على الِأشجار وحماية الضباع والقفز في الأنهار والبحار وتسلق الجبال والمنحدرات والتعايش مع الطبيعة هي تعبير عن الحب للطبيعة التي لا تؤذي من يحبها، قد يتفق البعض مع هذه المقولة أو يختلف معها إلا أنها كانت حقيقة بالنسبة له فالحوادث التي تعرض لها سواء عندما فقد النطق لفترة من الزمن أو حادثه الأخير الذي أودى بحياته صحيح أنه كان عائداً فيه من الطبيعة لكنه حادث سير وليس حادثاً في الطبيعة.
مات حازم اليوم الأربعاء 15 تموز 2020 بعد غيبوبة استمرت أيام إثر حادث سير أليم أودى بحياة صديقين للطبيعة “مجد قاسم، لينا أسعد” والطفل “يونس بلال”، وأصاب آخرين بجراح كانوا معه نتمنى لهم الشفاء العاجل .. إنها حقيقة مرة لكن الأمل كبير باستمرار مسيرة طبيعة بلا حدود فقد ساهمت في تعميم مفهومها وثقافتها على الكثيرين، وإلى أولئك الذين ربما لم يحبوا حازم لأنه كان يقف بوجههم عندما يقطعون الأشجار بشكل جائر أو يصيدون العصافير والحيوانات ويؤذون البيئة التي نعيش بها بشكل جائر جداً، فهؤلاء عليهم أن يحبوا هذا الرجل لأنه كان يحميهم.

اقرأ أيضاً: وفاة مخرج “دقيقة صمت” إثر ذبحة قلبية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع