حارس الأسرار التدمرية الذي أعدمه “داعش” ولم تعترف الحكومة بشهادته!

الراحل خالد الأسعد_ انترنت

“خالد الأسعد” وهب عمره لـ”تدمر” وحمى آثارها حتى النهاية

سناك سوري_ محمد العمر

تجمّع عدة جهاديين من تنظيم “داعش” حول الرجل الثمانيني في وسط ساحة مدينة “تدمر” بينما انتشرت راياتهم السوداء في المدينة التي سادها الظلام والصمت يوم 18 آب 2015 حين نفّذ التكفيريون جريمة قتل علنية بحق واحد من أبرز أبناء “تدمر” الذين لم يهربوا من المدينة.
كان جهاديو التنظيم يعرفون جيداً من هذا الرجل، إلا أنهم فشلوا في انتزاع معلومات منه حول أماكن الكنوز الأثرية المدفونة في متحف المدينة طوال 25 يوماً من اعتقاله لديهم، الرجل الذي ظلّ وفياً لحجارة “تدمر” ولم ينكسر أمام القتلة كان يُدعى “خالد الأسعد”.
دفع “الأسعد” حياته ثمناً للبقاء في مدينته المعشوقة يقول نجله “طارق الأسعد” ويتابع: «لقد مثّلت “تدمر” لديه حياةً كاملة ولم تكن مجرّد مدينة عابرة ولد وعاش وعمل فيها بل كانت المدينة التي وهبها عمره وروحه، مدينة البداية والنهاية»، المدينة التي تعاقبت عليها الحضارات والأقوام ستشهد مصرع ابنها على يد جهاديي “داعش” بتهمة “المشاركة بمؤتمرات الكفار وإدارة “الأصنام” وموالاة الحكومة السورية!
خسرت البلاد واحداً من أهم علماء الآثار فيها فلم يكن فقط مديراً لآثار “تدمر” كمنصب إداري تنتهي مهمة صاحبه بنهاية الدوام الرسمي، بل كان شغوفاً بعالم الآثار التدمرية فأتقن لغة الحجارة وتعلّم كيف يحاور الأسرار القديمة حيث أجاد “الآرامية” القديمة وترجم الوثائق والكتابات المكتشَفة في مدينة “زنوبيا”.
كتب “الأسعد” عدداً كبيراً من الكتب والأبحاث والدراسات حول آثار “تدمر” بعضها بمشاركة علماء آثار أجانب، حيث كان يرافق معظم البعثات الأجنبية الأثرية التي تعمل في المدينة ويمثّل “سوريا” في المؤتمرات العالمية حول الآثار.
وقد نال إعجاباً وتقديراً عالمياً في حياته وبعد رحيله حيث يحمل “الأسعد” وسام الاستحقاق من “فرنسا” و”بولونيا” و”تونس” بينما تسلّمت عائلته نيابة عنه وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة بعد رحيله.

اقرأ أيضاً:بعد أن أعدمه داعش.. فيلم يوثق حياة عالم الآثار السوري “خالد الأسعد”

ويعود لـ”الأسعد” الفضل الأكبر في اكتشاف القسم الأكبر من “الشارع الطويل” و “ساحة المصلبة (التترابيل)” والمقبرة البيزنطية وعدة مدافن تدمرية ضمنها مدفن “بريكي بن أمريشا” والمساهمة في ترميم العديد من المواقع الأثرية التدمرية.
إلا أن الرجل الذي نددت “اليونيسكو” برحيله ونكّست “إيطاليا” أعلامها فوق المتاحف والمباني الثقافية حداداً على رحيله وأطلقت مدينة “أرونا” الإيطالية اسمه على متحفها، لم يلقَ اعترافاً رسمياً من الحكومة السورية بأنه “شهيد”!
يؤكد “طارق الأسعد” ابن الراحل خلال حديث خاص لـ سناك سوري أنه إلى الآن وبعد مرور 4 سنوات على رحيل والده لم يتمكن من الحصول على “وثيقة شهيد”بسبب غياب المصداقية لدى المعنيين الذين تتضارب وعودهم ولا تثمر عن شيء، مضيفاً أنه لم يعد لفتح ملف المطالبة بالوثيقة منذ قرابة عام.
من جانب آخر يقول “طارق” أن عائلته طرحت قضية تشييد قبر للراحل في “تدمر” يليق بمكانته إلا أنّ أحداً لم يكترث للأمر ولم تقدّم الجهات الحكومية أي إجابة حول الموضوع.

يروي “طارق” أن والده الذي عمل مديراً لآثار “تدمر” كان يلتزم الالتحاق باكراً بدوامه الوظيفي منذ الثامنة والنصف صباحاً فيما كان يصل منذ السابعة للمواقع الميدانية في حال تواجد ورشات التنقيب والبعثات الأثرية حيث كان يشارك العمال عملهم، مضيفاً أن الراحل لم يكن يعامل العمال كرئيس عليهم بل كان يضفي التعامل الأخوي والجدي على علاقاته مع العاملين في المواقع الأثرية.

أما عن علاقته مع العائلة فيذكر “طارق” أن الراحل كان يرسّخ الاحترام المتبادل في علاقته مع أفراد أسرته، حيث يقوم كل طرف بواجبه تجاه الآخر كما كان يعرف كيف يوائم بين الشدة واللين بحسب الموقف إضافة إلى كرمه الواسع مع أبنائه الذين تعلّموا احترام غيابه قبل حضوره بحسب “طارق” الذي أشار إلى أن الراحل لم يكن متزمتاً في علاقته بأبنائه حيث ربّاهم على أن احترام الذات هو القاعدة الأهم لتقييم التصرفات والأفعال.

مساءً كان “الأسعد” يجول متفقداً الحراس في المواقع الأثرية قبل انتشار الاتصالات الخليوية وخدمات الاتصال في المنطقة، إضافة إلى التزامه بالواجبات الاجتماعية من استقبال زائريه وعيادة المرضى وتقديم التعازي أو التبريكات في الأوساط الاجتماعية المحيطة به إلا أن متعته الأكبر كان حين يتفرّغ للقراءة في المكتبة العلمية الخاصة به داخل منزله حسب حديث “طارق” لسناك سوري.

من جانب آخر كان “الأسعد” منفتحاً على تقديم الإجابات والمعلومات لكل سائلٍ أو طالب علم وكان يجد متعة خاصة في الحوارات حول التاريخ والآثار والدين والسياسة وعوالم المعرفة بتلك الذخيرة الواسعة التي يمتلكها من العلم والاطلاع، ويسترجع “طارق” جملة والده الراسخة في ذاكرته حين كان يكرر له أن «العقل الذي لا يتغذى على القراءة والعلم ليس بعقل».

قدّم “خالد الأسعد” روحه لأجل مدينته، “تدمر” التي تعرفه جيداً وتشهد على مأساة نهايته دون أن تطلب إثباتات رسمية لتعلنه “شهيداً” فيما يتقاعس المسؤولون السوريون عن أقل ما يمكن تقديمه لعائلة الراحل، سيسجّل التاريخ اسم “خالد الأسعد” بوصفه حارساً للأسرار التدمرية لكنه سينسى حتماً أن يذكر أسماء موظفي البيروقراطية الحكومية الذين لم يعترفوا بشهادته.

اقرأ أيضاً:عالم الآثار “خالد الأسعد”.. “شهيد” مع وقف التنفيذ الحكومي !

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع