حاتم علي بين التغريبة والعودة!

حاتم علي

عاند أحلامنا وعاد بنعش وثير يحتضن كيانه المتألق إبداعاً وفكراً

سناك سوري – حيان ديب 

أين نذهب حين تنعدم معاقل الأمان في ذاكرتنا؟! وماذا نفعل بكل تلك التفاصيل التي رسمتها في مخيلتنا كمشاهدين أوفياء لأعمال لامست واقعنا بصدق كبير !؟

كما جرت العادة في كل يوم من هذا العام العصيب،  استيقظنا على خبر حزين يضاف لذاكرتنا المتعبة متنقلين بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي ضجت بعبارات الرثاء لمبدع سوري كبير استطاع في زمن تشوهت فيه القيم وانهزمت أمام موجات الانحلال أن يروي الذاكرة بأعمال عززت الهوية العربية رافضاً كل أشكال الاستنساخ والتقليد الأعمى.

يفجعنا رحيل “حاتم علي” الذي وصف البندقية بالرافعة التي تبني “فلسطين”، صاحب التغريبة التي خلّدت نضال الفدائي وروح المقاومة وجذر الإنسان المُقتلع من أرضه، صاحب الرباعية الأندلسية التي لم تكتمل لكنها استعادت التاريخ في أسئلة الواقع وأسست ذاكرة جيل كامل.

هذا المبدع الذي عايشنا فصول حكايته ممثل محبوب أمام الكاميرا ومخرج عبقري خلفها ولعل أبرز مايحضر في البال تلك اللمة الحميمية للعائلة أمام شاشة صغيرة لمتابعة مسلسل الفصول الأربعة الذي قدم فيه العائلة السورية المتعاونة والمتحابة.

اقرأ أيضاً: فنانو سوريا والعالم العربي ينعون حاتم علي

كم من جيل سحره التاريخ وشخوصه في “صلاح الدين الأيوبي” و”ربيع قرطبة” و”صقر قريش” و”ملوك الطوائف” وكم كتاباً عن الشعر وتاريخ الأندلس بيع تزامناً مع هذه الأعمال؟، وكم تعلقوا بعالم الموسيقا مع شارة “عصي الدمع” وكم من آمال وخيبات روت قصصنا في “أحلام كبيرة” فكل شيء ضاق وضاق حتى ضاع و”على طول الأيام” استطاع أن يرينا الشام بعيونه ، تفاصيل وأحداث قد تغيب عن أبناء العاصمة السورية خلدها وقربها منا.

كل تلك الحوارات في أعماله جعلتنا نتلمس الأسئلة الأولى عن الأمل والحلم والوجود والخيبة وعن الوطن، وإذا كان قد بلغ أعلى مراحل النجاح في التغريبة الفلسطينية إلا أنه عايش نفس الأحداث عندما اضطر للنزوح مع عائلته وآلاف المواطنين من “الجولان” السوري المحتل إلى مخيم “اليرموك” في جنوب “دمشق” وقال إنه استعان بكل ماعايشه أثناء تلك الرحلة الشاقة مستحضراً ذكرياته الحزينة مسقطاً إياها في عمل رسخ القضية الفلسطينية بالوجدان.

اقرأ أيضاً: من هو المخرج الراحل حاتم علي

هنا أتصفح خبر وفاته ونقل جثمانه من “القاهرة” إلى “دمشق” وأستذكر رحلته التي بدأت برحيله الأول عن بيته وأمانه في “الجولان” المحتل ليسكن كل بيت سوري وليأتي الرحيل اليوم في وقت كنا متلهفين لعودته إلى “سوريا” وهو يجول بكاميرته مصوراً الواقع السوري وحكايا الناس في حارات “دمشق”  العريقة وبجانب قلعة “حلب” الشامخة وبين جبال الساحل السوري ونواعير “حماة” وعلى امتداد الوطن في عمل يعيد للدراما السورية ألقها وعمقها الذي افتقدناه بغياب “حاتم علي” عن الدراما السورية في العقد الأخير لكنه عاند أحلامنا وعاد بنعش وثير يحتضن كيانه المتألق إبداعاً وفكراً.

أقول لصديقي المتعجب لمدى التأثير الذي خلفه “حاتم علي” بعد رحيله أن “جلجامش” في رحلة بحثه عن الخلود اكتشف أن الإنجازات والأعمال الإبداعية وحدها من تخلد الذكرى.

اقرأ أيضاً: بينهم عبد الرحمن القاسم وعلاء الدين كوكش… فنانون خسرتهم سوريا في عام 2020

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع