جيش المسلمين اللاعنفي … ضمّ 100 ألف مجاهد

عبد الغفار خان مع غاندي

سناك سوري – بلال سليطين

في قبيلة تحكمها قواعد العشيرة وقوانين الثأر والانتقام ولد “عبد الغفار خان” عام 1890، وتحت وطأة الاحتلال البريطاني لبلاده كبر الطفل وأصبح شاباً في مجتمع يحلم أبناؤه بالحرية من نير الاحتلال وتقرير مصيرهم بأيديهم.

ومن رحم هذه البيئة التي تسودها الحروب ولد الفكر اللاعنفي في رأس “خان” قبل أن يحوله إلى سلوك مارسه خلال حياته التي قاربت المائة عام، فأصبح منارةً لدى ملايين الشباب المسلم وغير المسلم على مر الأجيال التي عاصرها واستمر أثره إلى ما بعد رحيله فقد أضحى مرجعاً ينهل منه أصحاب الفكر اللاعنفي.

جيش المسلمين اللاعنفي

في أيلول 1929 طرح شاب على “خان” فكرة تأسيس منظمة يُقسِمُ أعضاؤها باسم الله أن يكرسوا حياتهم لخدمة بلادهم.

في تلك اللحظة استحضر “خان” كل اللاعنف في لاوعيه وقال:«جنود لا عنفيون محترفون يقطعون على أنفسهم عهداً أن يقاتلوا لا بالبنادق ولا بالمدافع بل بحياتهم، هذا جيش  لم يسبق له مثيل».

في هذه اللحظة انطلقت الشرارة الأولى لتأسيس” الجيش المسلم اللاعنفي” أو ما عرف باسم “خدام الله” يقول “خان”: «ما قيمة الادعاء بالشجاعة إذا لم تتمثل مواجهة العدو من أجل قضية محقة، من دون سلاح ولا تراجع ولا انتقام، ذلك هو لاعنف الأقوياء على مراتب الشرف» سناك سوري.

يعد الجيش الذي أسسه “خان” أول جيش من نوعه في العالم، خلال تعريفه بهذا الجيش قال: «سأقدم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضده، إنه سلاح النبي، لكن لا علم لكم به، هذا السلاح هو الصبر والاستقامة، ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده».

أن تجد أشخاصا ًاعتادوا مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، يقفون في وجه الجيش البريطاني عزلاً لايحملون سلاحاً ويستقبلون الموت بصدور عارية كان أمراً عظيم الشأن كبير الوقع، يقول الكاتب البشتوني “محمد يونس” عن مرحلة المواجهة مع الإنكليز: «في أول سنتين، حلّت فترة صاعقة من الظلمة على المقاطعة، فكان إطلاق الرصاص والضرب وغيرها من أعمال المضايقات تُرتكب بحق هؤلاء الناس، ممن لم يعتادوا عليه سابقاً دون الأخذ بالثأر،غير أنَّ “البشتون”، وبالرغم من عدم نكرانهم لحقيقة تنشئتهم في بيئة من العنف وسفك الدماء، وقفوا ثابتين أمام مضايقات وعنف الإنكليز، وماتوا بسلام، وبأعداد كبيرة لبلوغ هدفهم».

عبد الغفار خان

يقول الكاتب “خالد القشطيني”:«بلغ تعداد جيشه في الثلاثينات من القرن الماضي نحو مائة ألف مسلم، اتخذ هذا الجيش برنامجا سلميا صارما يقوم على المحبة وخدمة الآخرين وتحاشي العنف بكل صوره، ويتعين لمن يدخل هذا الجيش أن يقسم بالله على أن يلتزم باللاعنف والنضال من أجل الوطن والابتعاد عن الطائفية والعنصرية وخدمة كل بني الإنسان من دون أي تفرقة». موقع سناك سوري.

اقرأ ايضاً:مسؤول روسي مذهول في سوريا !!

في البيئة التي انطلق منها هذا الجيش كان للعنف عشرات المبررات الشرعية والاجتماعية، ومع ذلك فإنهم وضعوها خلف ظهرهم واستحضروا مبررات إنسانية من وحي دينهم، ماجعلهم وجيشهم من العلامات التاريخية الفارقة في القرن العشرين.

عارض قائد الجيش المسلم بشدة تقسيم الهند وباكستان، وأمضى أكثر من ثلاثين عاماً في السجون، أولاً في ظل حكم البريطانيين، وثانيةً في ظل الحكومة الجديدة في باكستان، لرفضه قبول التقسيم، وكان دائماً يرى سَجنه كتضحية يمكنه أن يقدمها لشعبه.

واجه الشعب الهندي هذا الامتحان العسير عندما طالب “محمد علي جناح” بانفصال المسلمين عن الهندوس وتأسيس دولتهم الخاصة بهم (باكستان مع بنغلاديش)، كان ذلك محنة كبيرة لـ”عبد الغفار خان” و”المهاتما غاندي” اللذين كرسا كل حياتهما لوحدة الهند بكل شيعها وطوائفها وقومياتها.

“وأد مبدأ العين بالعين والسن بالسن” في مسيرته تعرض للسجن مرات عديدة ولمحاولات الاعتداء عليه بالسلاح، لكنه في كل مرة لم يكن يرد على هذا السلوك بسلوك مماثل، مبني على مبدأ الانتقام، بل كان يتابع في مسيرته القائمة على اللاعنف تجاه الآخرين، وبالتالي أحدث انقلاباً على مبد الفعل ورد الفعل الموازي له في نظرية حياة الشعوب الإسلامية في منطقته. موقع سناك سوري.

أصحاب نظريات العنف اغتالوا “غاندي” لكن “عبد الغفار خان” كان أكثر حظا فنجا من محاولة قتله، لكنه ظل يرفض الاعتراف باستقلال “باكستان” أو أن يطأ بقدمه أرضها، لم يعد له مكان في هذه الساحة فرحل إلى أفغانستان وأقام فيها لبعض الوقت متابعاً مسيرته عن طريق التدريس.

توفي “عبد الغفار خان” في 20 كانون الثاني / يناير 1988 في بيشاور في الوقت الذي كان يخضع فيه للإقامة الجبرية، ودُفن بناءً على رغبته في مدينة جلال أباد في أفغانستان، وسار للمرة الأخيرة عشرات الآلاف من مؤيديه في جنازته.

حافظ “خان” مخلصاً على مبادئه التي اختارها لنفسه، فكانت عقلية الثأر والانتقام أبعد مايكون عن سلوكه، كان صادقاً مع نفسه قبل أن يصدق مع الآخرين، فكان خادماً لله كما هو جيشه “خدام الله”، لكن الميزة في خدمة الله عنده أنها تكون في خدمة البشرية من مبدأ أن الله لا يحتاج من يخدمه.

لم يدع الناس إلى شيء لم يفعله هو، فقد دعا لإصلاح المجتمع وبناء الثقافة والفكر فكان أول من أصلح نفسه وأول من التزم بمبادئ الجيش في سلوكه الحياتي وأول من أرسل أبناءه إلى المدرسة، فأضحى قولاً وفعلاً القدوة لغيره.

كما أن فكرة الجيش المسلم اللاعنفي حققت نجاحاً لافتاً وأجبرت الإنكليز على تغيير سلوكهم تجاه البلاد والمواطنين ومن ثم الانسحاب من البلاد وتحقيق الاستقلال.

اقرأ ايضاً:السودان طريق السوريين للموت في الصحراء الليبية

من هو عبد الغفار خان مؤسس الجيش المسلم اللاعنفي:

هو بادشاه خان “عبد الغفار خان” ابن قرية “تشارسادا” التابعة لإقليم “بيشاور” الشهير في باكستان، ينحدر من عائلة “بشتونية” معروفة جداً في بلادها ولها تاريخ كبير في غرب الهند وباكستان وأفغانستان، وينتمي لها آخر ملوك “أفغانستان” “زاهر شاه”.

منذ طفولته كان صديقاً للفقراء والعمال رافضاً أن يتقوقع في عادات وتقاليد عائلته المرموقة، ما أغضب والده حينها إلا أن والدته كانت تدافع عنه وتدعو زوجها إلى عدم القلق على ابنهما فهو كما تصفه شاب قوي وتناديه بالملك، وعندما كبر أصبح لقبه “ملك الزعماء” موقع سناك سوري.

كان يقول في بداياته :«لدي حلم عظيم، واشتياق عظيم. مثل الزهور في الصحراء، فإن أبناء شعبي يولدون ويزهرون لفترة بدون أن يرعاهم أحد فيذبلون ويعودون إلى التراب الذين جاؤوا منه.

فأريد رؤيتهم يقاسمون أفراحهم وأحزانهم. أريد رؤيتهم يعملون سوية كشركاء متساويّ الحصص. أريد رؤيتهم يلعبون دورهم في البلد ويتخذون مكانتهم الصحيحة بين أمم العالم، في سبيل خدمة الله والإنسانية».

أسس “خان” في العشرين من عمره أول مدرسة أفغانية في قريته، وراح يعلم الناس فيها تقنيات الزراعة الحديثة والنظافة، وشيئاً فشيئاً راحت مدارسه تنتشر بين الناس في القرى والبلدات، وهو الأمر الذي أغضب الاحتلال البريطاني الذي عمل على إغلاق بعضها وهدم بعضها الآخر، ومن ثم اعتقل لمدة ثلاث سنوات يقول “خان”: «اعتقلوني لأنني أريد أن أنشر التعليم بين أبناء شعبي من الفقراء والأميين».

جال بين عامي 1915 و1918 على 500 قرية في مناطق حدودية وجلس مع الناس مبشراً بالعمل والغفران وممازحاً الأطفال الذين أحبوه كما أحبه أبناء الريف.

وفي أحد الأيام وأثناء اجتماع في مسجد القرية انفجر الناس بالهتاف بصرخات مدويّة مرددين “باشا خان! باشا خان!” (ملك الزعماء)، وذاع صيت هذا الاسم في كل أرجاء الهند، وصار “عبد الغفار” يُـكرّم كملك على جميع الخانات، وعندما صار “باشا خان” معروفاً أكثر وعمل جنباً إلى جنب مع غاندي، أُطلِق عليه اسم “غاندي المناطق الحدودية”، وكان جيشه أحد أعمدة “غاندي” في مسيرته النضالية. موقع سناك سوري.

اقرأ أيضاً:رشا أمٌ تبحث عن هوية زوجها

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *