جنرال في رحلة الوصول إلى اللاعنف – ناجي سعيد

ناجي سعيد

اكتشفت شكلا آخر من العنف، “غير مرئي” هو عنف بُنيوي حيث “الأسلحة” هنا تحمل أسماء أخرى: التنافس، الإنتاجية، المردود

سناك سوري- ناجي سعيد

لقد كان موقفًا مُحرجًا بشدّة في حياتي، حين كُلّفت من رفاقي بإلقاء كلمة المُنظّمة الشبابية اليسارية التي انتميتُ لها خلال نضال المراهقة التي عشتهُ. فكنت أوّل مرة أرتقي منصّة مسرح ترتفع عن أرض قاعة الإحتفالات في المدرسة. بدأت يداي ترتعشان قبل النطق بأول كلمة. وشعرت برهبة لا يشعرها سوى الواقف بين يدي الخوري ليعترف بخطيئة ما. وبدأت أرفع المنصوب وأنصب المرفوع. وكانت لعثمة لساني تنتظر بفارغ الصبر هبوط الطائرة على المدرّج لأسمع التصفيق إيذانًا بالسلامة من مطبّات هوائية من الإحراج والخجل.

هل من الممكن تصديق أن هذا المُدرّب على مواضيع جريئة وحسّاسة في مجتمعنا، هو نفسه المراهق المُتلعثم، الذي كان “يتفركش”.. بشريط حذائه؟؟ إن أوّل ما أثار بداخلي النية على التغيير ورفض الماضي (الذي لا أنكر إتمام أهلي واجبهم  في التربية تجاهي) حين سمعت جملة قِيلت في مسرحية للأخوين رحباني: ..” ابن البويجي بويجي وابن الطبيب طبيب”. واستفزّتني هذه الجملة بالإحباط الذي تحملُهُ، ففعلاً كما قال زياد الرحباني لعمّه منصور في ندوة نقاشية: انتو عملتوا لبنان بالأحلام ومش موجود.. وغالبية الأفكار الرحبانية في مسرحياتهم المشهورة هي أحلام. حسنًا لقد عشنا كأبناءٍ لأبٍ مكافح، وساعدناه في عمله في الفرن. لكن لم يرضَ أن نترك دراستنا، فجميعنا أكمل تعليمه..ماذا تكتب؟ وهل ستتحدّث عن اللاعنف وهل ستقدّم للقرّاء أحد المناضلين اللاعنفيين؟ نعم، وبدأت عمدًا بجملة الرحابنة لأثبت عدم صوابيتها، فليس بالضروروة أن يكون ابن البويجي بويجي وابن الطبيب طبيب.

اقرأ أيضاً: اللاعنف: الخيار المُغيَّب_ اليوم العالمي للاعنف

نعم فالجنرال جاك دو بويارديير الذي وُلد في 16 كانون الأول/ديسمبر 1907 في شاتوبريان. توفي والده وهو في العاشرة من عمره، فأُرسل إلى مدرسة داخلية للآباء (Eduistes) أثّرت في تنشئته. وأمّهُ أثّرت فيه كثيرًا. تعلّم منها عدم اليأس. هي التي كافحت وحدها بعد وفاة والده للاهتمام بخمسة أطفال، والتي عاشت الحزن على زوجها، ومن ثم على ابنتها (15 عامًا). ومن ثم على ابنها البكر الذي قُتل في المغرب أثناء خدمته العسكرية. ومع ذلك، حافظت على طعم الحياة والأمل…في سن السابعة عشر دخل الجيش. في البداية، لم يكن ينظر إلى الجندية سوى من خلال تآلفه معها أو بالأصح مع تاريخ جدّه وأبيه وجدّه الأكبر…أصبح لاحقاً الجندي الأكثر تكلّلاً بالنياشين أيام فرنسا الحرّة، وواحدًا من القادة العسكريين الألمع في جيله. ومع ذلك، كانت مسيرته العسكرية خطًّا غير مستقيم.. يعترض.. يرفض الطاعة.. يبادر إلى أفكار جديدة من خارج المألوف وخارج الطرائق العسكرية.. حُكم عليه بالموت خلال عهد الجنرال بيتان.. رفض اعتبار الألمان أعداءًا، بل النازية هي ما يجب أن نُحارب، لا الشعب الألماني. ورفض الإذلال والعنف اللذان ارتكبهما الحلفاء بحقّ خصومهم.

شارك بالقتال في لاوس وكمبوديا وطونكين وهايبهونغ و.و.. إلا أن القتال كقائد عسكري فرنسي، بوجه شعبٍ يقاتل من أجل استقلاله، ترك في نفسه طعمًا مرًّا. اعتبر أن فرنسا خاسرة هناك لا محال. لكن القيادة العليا لم تَعرهُ سمعًا، ففضّل العودة إلى فرنسا إلى التدريب في “مركز الدراسات العسكرية العليا”.

في الجزائر، شكّلَ دو بويارديير ما عُرف بـ “الكومندوس السود”: وهم وحدات صغيرة من الجيش، أخذت على عاتقها إعادة الحوار مع الشعب المسلم، وابتكاره لطرائق مسالمة أدّت إلى خفض نسبة الاعتداءات والتفجيرات، وأثبتت فاعليتها وفرادتها.

وهو هناك، ثُبّتَ جنرالا في عمر الـ 49 سنة، وهذا غير اعتيادي. لكن، كان عليه أن يتبع “الأعلى” منه، الجنرال ما سو، الذي كان يُفضّل العمليات البوليسية على “الكومندوس السود”، فعادت الاعتداءات والتفجيرات، لا بل تضاعفت… فوضع دو بويارديير ثقله لرفض تلك التدابير العنفية، لكنه لم يلقَ نتيجة. وذات مرّة ، طلب منه الجنرال ما سو تفتيش المساجد بحثًا عن أسلحة، فاهتز كيانه للحظات، فصاغ رسالة لينقلها إلى رؤسائه وقد حمّلها العنوان: “رفض الطاعة”، وهذا أيضًا غير اعتيادي. وقد أيقظ فشل مهمة عسكرية أُوكلت إليه وعيه بالنضال اللاعنفي وجدواه بالنسبة للطرق العنفية.

اقرأ أيضاً: عن عُنف الشارِع والجوع وسوء السلطة_ ناجي سعيد

منذ العام 1963 انتقل إلى العمل المدني السلمي مشاركًا في جمعية للتربية المستمرة، حيث نظّم خلال 7 سنوات 360 تدريبًا لـ 22 ألف شخص… ما أتاح له التعرّف بفئات اجتماعية ومهنية متنوعة… في كانون الأول 1963 ألقى محاضرته الأولى عن السلام، أمام جمهور كبير من الشباب خاصة . قال: “اكتشفت شكلا آخر من العنف، “غير مرئي” وحِذق ومتواصل، هو عنف بُنيوي، حيث “الأسلحة” هنا تحمل أسماء أخرى: التنافس، الإنتاجية، المردود… وحيث التواصل الإنساني مُعطّل. عالمان متناقضان: أرباب العمل والعمّال..

زوجته المتأثرة بكتابات مارتن لوثر كينغ، دعته للاستماع إلى محاضرة عن اللاعنف للمناضل الفرنسي جان- ماري موللر في 23 تشرين الأول 1970 . هناك، اكتشفا معًا أن اللاعنف هو نظرتهما بالذات إلى الحياة. كأنهما يسمعان كلامًا موجودًا أصلا فيهما…وبدآ معًا رحلة جديدة ومشتركة. رحلة اللاعنف.”من قبل كنت أذهب لأقتل الناس. أما اليوم فأنا ذاهب لأمنعهم من القتل…” لبّى دو بويارديير النداء لـ “كسر الصمت الرسمي” حول التجارب النووية الفرنسية في موروروا (Polynésie) ورافق فريق المركب Fri ، وهو مركب لحركة السلام النيوزيلندية، وبلغوا معًا المنطقة المحظورة في موروروا في المحيط الهادىء… أُلقي القبض على المحتجين، وفي مقدّمهم جان-ماري موللر والجنرال دو بويارديير. فأضربوا عن الطعام، وبعد أيام أُطلق سراحهم.

نتيجة تلك الأحداث وما سبقها، أعلن مجلس الوزراء وضع “الجنرال المشاكس” في التقاعد المبكر، تعسّفًا، فكتب دو بويارديير إلى الرئيس جورج بومبيدو يطلب شطب اسمه من جوقة الشرف العليا. وقد كان مدافعًا عن الحق في رفض الخدمة العسكرية، وقد انضم الجنرال إلى الحملة الداعمة للحق في رفض الخدمة العسكرية، محاضرًا ومدافعًا عن المعترضين..

كانت النيّة الموجودة بداخل الجنرال، هي من أهم مرتكزات اللاعنف، هي نفسها موجودة عند جارنا القارئ على الشرفة المقابلة والتي حرّكته ليبادر ويساعدني في إطفاء حريق حدث عندي على الشرفة بسبب الهواء الذي هبّ فجأةً  فأوقع فراشًا على “غاز” صغير.

اقرأ أيضاً: ثورة أمريكية_ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع