ثلاث سنوات ونصف في الأسر.. كيف كانت حياتهم هناك؟

دلع وعائلتها

سناك سوري-علا بدور

“دلع مريم” و”غيدق مريم” من قرية “الحمبوشية” بريف “اللاذقية” يافعان من أسرتين مختلفتين رغم تشابه الكنيية، إلا أنها ليست الشيء الوحيد الذي تقاسماه سوياً، لقد تقاسما الأسر لثلاث سنوات ونصف مضت هكذا من أعمارهما مع كل ماواجهاه من ألم وخوف وظلم.

تروي “دلع” ابنة الرابعة عشر ربيعاً القصة لـ “سناك سوري” فتقول: «كان صباحاً مريراً جداً استيقظنا به على أصوات الرصاص التي كنا قد اعتدناها لقربنا من مناطق المعارك في ريف اللاذقية الشمالي، إلا أن هذه الأصوات كانت قريبة جداً، تبعها دخول أمي وجدتي إلى الغرفة حيث كنت وإخوتي، وهو ما منحنا شعوراً أكبر بالأمان واعتقدنا أن الأمور ستسير على نحو جيد».

تضيف: «في خضم هذه الأحداث غادر والدي المنزل لمعرفة ماذا يحدث، وبعد لحظات اقتحم المسلحون منزلنا واقتادونا إلى منزل مجاور  كانوا قد جمعوا فيه أهالي القرية الأسرى، وعند خروجنا من المنزل رأت أمي جدي مضرجاً بدمائه بجانب المنزل في حين لم نعلم باستشهاد والدي إلا بعد عدّة أشهر».

تصمت “دلع” كثيراً تغلبها الدمعة، ومن ثم الدموع، البكاء، فتعتذر عن متابعة الكلام، لقد كان شيئاً صعباً أن تتحدث عما عاشته، يالهول ما حدث ويحدث، كم قاسوا هناك!.

أما “غيدق مريم” ابن الخامسة عشر عاماً الذي شارك “دلع” الكنية والأسر، شاركها هذه المرة الصمت، صمت سرعان مابدده زفرة عميقة تكلم بعدها “غيدق” فقال لـ “سناك سوري”: «عند سماعنا صوت إطلاق الرصاص يقترب باتجاه منزلنا هربنا من النافذة نحو الأحراج، وأثناء هروبنا أصيب والدي إلا أنه أصرّ على استمرارنا بالتقدم نحو القرية، حيث اجتمعنا مع عمي وعائلته وتابعنا السير، كنت مع عمي نحاول رصد الطريق للتأكد من خلوه من مقاتلي المعارضة الذين هاجموا القرية، فيما كانت أمي وإخوتي وزوجة عمي وأولاده خلفنا، بعد وقت علمت بإصابة والدتي وإخوتي البنات “حلا ومرح”، وخلال الطريق أصيبت زوجة عمي وابنتها عندها قرر عمي أن يحاول إيصالنا لقرية “إنباتة” لنمكث عند عمتي».

يتابع “غيدق”: «تابعنا السير ثم سمعنا أصواتاً تقترب باتجاهنا، توقعنا بدايةً إنهم أقاربنا ولكن لم تصح توقعاتنا فقد كانوا المسلحين، وأخذوني نحو منزل يجمعون فيه الأسرى في قرية “إنباتة” المجاورة لأعلم هناك بوفاة أمي وأخوتي باستثناء أخي الصغير ذو الثلاث سنوات الذي كان أحد المسلحين قد جلبه معه».

وبعد أن قام المسلحون بجمع عدد من الأسرى نقلوهم إلى منطقة “سلمى” ومكثوا هناك حوالي أربع أو خمسة أشهر وبعدها نقلوهم من منطقة إلى أخرى “حوالي ثمان مناطق” أما عن الحياة التي كان يعيشها الأسرى يقول “غيدق”: «كانت حركتنا قليلة فكانوا يسمحون لنا بالخروج لنجلب الحطب شتاءً ولكن كانت أعينهم دوماً موجهة نحونا، والطعام كان ما يتم توفيره من رز أو معكرونة وفي حال انتهاء المخزون كنا نتناول الخبز المعفن وأحياناً لا نتناول شيء، أما الملابس فكانوا يوزعون علينا في الشتاء ملابس صوفية بالية ومهترئة كثيراً فكنا نلجأ إلى إعادة تصنيعها عن طريق إعادة حياكة صوفها، فالكثير منّا تعلم حياكة الصوف لصنع ما يقيه برد الشتاء أولاً ولتمضية الوقت ثانياً».

في الأسر كل شيء مختلف، عادات جديدة، ودروس مختلفة، حيث قام المسلحون الإسلاميون بفصل الذكور عن الإناث حتى الأخوة منهم، فبحسب معتقداتهم الاختلاط حرام شرعاً، ولم يكتفُ بالفصل بل عينوا داعية إسلامية أنثى للفتيات والنساء، وداعية إسلامية ذكر للرجال والفتيان.

وبعد مرور ثلاث سنوات ونصف على الأسر، جاءت منظمة إدارة شؤون الأسرى وبدأت بالتفاوض مع الفصائل الخاطفة لاستلام الأسرى وإجراء التبادل، يروي “غيدق” ما حدث في تلك الأيام فيقول: «جاء أحد أعضاء منظمة شؤون الأسرى وعدنا بإطلاق سراحنا إلا أننا فقدنا الأمل وخاصة بعد الوعود الكثيرة الكاذبة من قبل المسلحين، إلا إنه في اليوم التالي تمكنت المنظمة من أخذنا بعد مشاكل مع الأفراد الذين يحرسوننا، ونقلونا من منطقة الغسانية إلى سجن حارم، لتجري المفاوضات مع الحكومة وتتم المبادلة يوم 5 شباط 2016 والذي أصبح يوم عيد بالنسبة لنا».

وختم “غيدق” كلامه بعد تنهيدة عميقة حقاً: «تحررنا وعدنا أنا وأخي ولكن أمي وإخوتي البنات لم يعودوا، كانت حياتنا جميلة وممتعة نزرع الأراضي ونعتاش منها، وكنا نرعى الأغنام ونحمد الله كثيراً على حياتنا البسيطة التي دمرتها الحرب ومامن أحد قادر على إعادة إعمارها، فهل من أحد يستطيع إعادة أمي لي؟!، أحاول اليوم جاهداً متابعة دراستي وتحصيل مافاتني في سنوات الأسر».

تحرر الأسرى وعادوا إلى حياة الحرية ولكنهم خسروا ثلاث سنوات من عمرهم وكبروا ثلاثين عاماً، عندما تجالس “غيدق” تشعر وكأنه في الثلاثين من العمر، طريقة الحديث، والذكريات لديه، لكنك تفاجأ بأنه خسر دراسته حاله كحال عشرات أطفال السوريين في مختلف الجغرافيا السورية ممن شهدت مناطقهم معارك، لكن “غيدق” و”دلع” عادا اليوم إلى مقاعد الدراسة وهما يعملان على تعويض مافاتهم وتحقيق بعض من أحلامهم الصغيرة، على أمل أن يعود كل أطفال سوريا إلى طفولتهم وتنتهي هذه الحرب التي انتهكت كل المحرمات.

 

غيدق مريم وقد عاد إلى مقعد الدراسة

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *