ثلاث تحولات كبرى في تاريخ سوريا – حسان يونس

ماعلاقة سوريا بالنظام المالي العالمي… وماهي القنبلة الحضارية التي تشظت غرب البلاد؟

سناك سوري – حسان يونس

عند محاولة تحديد أحداث مفصلية في التاريخ السوري الموغل بالقدم  – حوالي 7000 عام – تواجهنا إشكالية أن الجغرافية السورية تعد مسرحاً مثَّلَت فيه كافة الشعوب والحضارات التي شهدها العالم قديماً وحديثاً أدواراً مختلفة ولا تزال.

ولكن باستقراء تاريخ هذه المنطقة وملاحقة خط الزمن عائدين إلى الوراء نجد أنه في العام 539 ق.م وقع حدث حاسم، تمفصل حوله تاريخ منطقتنا، حين انفتحت أبواب “بابل” المحصنة العظيمة، عاصمة تلك الأزمنة وكل الأزمنة أمام كورش الفارسي، فاتحةً أبواب سورية أمام التدخل الخارجي، وهو حدث لا زال فاعلاً حتى هذه اللحظة، من حيث إخراج المنطقة (سواء سميت سورية الطبيعية أو الهلال الخصيب أو المنطقة العربية) من الفعل الحضاري لتتحول مسرحاً للنزاعات الدولية والإقليمية، ذلك أن تمدد الفرس الأخمينيين واستيلائهم على الهلال الخصيب ومصر وآسيا الوسطى وصولاً إلى اليونان ومقدونيا أيقظ الغرب (الإغريق في حينه) من سباته، ودفعه إلى التطلع شرقاً، فكانت حملة “الاسكندر المقدوني” للقضاء على الأخمينيين، وكان أن أصبحت بلادنا معبراً أو مسرحاً لتصفية حسابات القوى العظمى، وهي حسابات لم تنقطع إلا خلال مئة عام من حكم الدولة الأموية ولم تُصفّى حتى هذه اللحظة، وفي الغالب كان طرفاها “الفرس والقوى الغربية” على اختلاف المراحل.

تكرر سقوط بابل (بغداد) في حقبتين لاحقتين ( 1258 م على يد المغول و 2003 م على يد الأمريكيين) فاتحاً أبواب الجحيم على بلادنا في كل مرة، إلا أن البداية المستمرة لسقوطنا من الحضارة كلاعب في مواجهة الآخرين كانت 539 ق.م .

القنبلة الحضارية في اللاذقية

بالعودة ألف عام أخرى إلى الوراء نجد انه في حوالي (1500 ق.م) تشظت قنبلة حضارية شمال اللاذقية، فكانت الأبجدية الأوغاريتية قد ظهرت إلى الوجود كأول كتابة مبسّطة مكوّنة من ثلاثين حرفاً وفق الترتيب الأبجدي المعروف، بعد أن كان نظام الكتابة المسماري السابق يعتمد على 800 علامة ثم تناقص إلى 600 ثم إلى 400 باستعمال القيم الصوتية مع علامات الكتابة الصورية، ثم ظهرت أبجدية جبيل (22 حرفاً) في القرن العاشر قبل الميلاد كتطوير لأبجدية أوغاريت، ومن جبيل انتقلت الأبجدية إلى الإغريق ومن ثم إلى الرومان.

طوّر اليونانيون أول أبجدية كاملة فيها حروف علّة، هذا التحول الجوهري للكلمة من الصوت إلى الصورة كان بمثابة صاعق الانفجار الحضاري الذي شهده شمال حوض المتوسط في القرون الخمسة السابقة واللاحقة للميلاد، وكانت سورية أرض الأبجدية ضحية تلك الثمار المحرمة، إذ ما إن تناولها اليونانيون ومن ثم الرومان حتى تغوّلوا على بلادنا، خاصة بعد أن فتح “كورش” الفارسي بوابة “بابل” أمام كل الغزاة.

التحول الاقتصادي

صاعق الانفجار الحضاري هذا تكرر مرة أخرى بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ميلادي حين جاء الصليبيون واستوطنوا غرب سوريا أواخر القرن الحادي عشر، وهناك كان الأوروبيون على موعد مع النتاج المعرفي للعالم الإسلامي خلال خمسة قرون ماضية، وهو أمر فعل فعله في تلقيح وتخصيب العقل الأوروبي كي يفتح مجاهيل عصر الأنوار بسرعة كبيرة (بالمعنى التاريخي) لا تتعدى ثلاثة قرون من ذلك التلاقح .

إلا أن الجانب الآخر الأكثر أهمية للمسألة هو تشكيلات فرسان الهيكل ( فرسان الداوية ، فرسان الاوسبتال، فرسان التيوتون)، والتنظيمات الإدارية والمالية المتطورة التي حققتها بمقاييس ذلك العصر، فقد مارس هؤلاء الفرسان أعمال الصيرفة وجنوا ثروات ضخمة، من خلال تشكيل مجالس إدارة لا تعتمد التوريث، وإدارتهم إقطاعيات واسعة على الساحل السوري ومشاركتهم في تمويل الحملات الصليبية بالإقراض، ومن ثم متابعة أعمال الصيرفة في أوروبا اعتماداً على الثروات الضخمة التي جنوها من الاستثمار في الحرب، ورغم اصطدام هؤلاء الفرسان مع الملك الفرنسي فيليب الرابع والقضاء عليهم كلياً ومصادرة أملاكهم في فرنسا حوالي (1300 م) بعد محاكمات طويلة، إلا أن نشاطهم خارج فرنسا لفّه التنظيم الغامض والسرية وكانوا الشعلة التي انبثق منها النظام المصرفي المتحكم بالعالم حاليا والمتحكم ببلادنا تحديداً، هذا النظام الذي رسم حدود سايكس بيكو واستصدر وعد بلفور (موجهاً إلى المصرفي روتشيلد) كانت بدايته في سوريا قبل حوالي 750 عام حيث نضجت الثمار المحرمة وكانت سورية ضحيتها مرة أخرى.

* حسان يونس: باحث تاريخي سوري

اقرأ أيضاً: باحث: تعريب أسماء الأماكن في سوريا يؤثر على الهوية والإنتماء

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع