ثقافة الاختلاف والخطوط الحمراء – ناجي سعيد

ناجي سعيد

يجب علينا تنظيف مساحتنا الداخليّة ليسهل علينا قبول الآخر المختلف

سناك سوري- ناجي سعيد

كنت حائرًا بماذا سأبدأ مقالتي عن ثقافة الاختلاف حين طَلَبّ منّي رئيس التحرير ذلك. ولكنّ الشرارة التي لمعت برأسي فجأة، فكنت أشاهد التلفاز فاتحًا حاسوبي محاولاً البدء. فقد ورد في مقابلة مع أحدهم والحديث عن ذكرى الحراك الشعبي اللبناني في 17 تشرين الأول والذي مضى على انطلاقته عام كامل، والصدمة المدويّة التي ضربت رأسي، بما قاله الضيف في الحلقة. لا أعلم ولا أريد أن أعلم من هو ومن يمثّل. والواضح أنه يتحدّث باسم مجموعة.. فقد قال: “لقد كنّا نفتقد لثقافة حرق الدواليب”..!!! ولست بصدد الحديث، لا عن الثورة ولا عن المجموعات والأشخاص الذين هم مع أو ضدّ الثورة.. ولكن ما لمع برأسي هو أنه حين اكتب عن أي قيمة أو فكرة إنسانية أو لاعنفية أضع ذاتي لأقيس مدى التزامي بها أو بعدي عنها. فهل أمتلك ثقافة قبول الاختلاف؟ وهل من المنطق والمعقول أن أتقبّل ما أسماه الضيف في التلفاز “ثقافة حرق الدواليب؟”
أوافق على قبول الآخر تمامًا، كائنًا من كان هذا الآخر. لكنّ مدى القبول يشمل إنسانيّة الآخر فقط. نعم فالحدود أو الخطوط الحمراء لقضيّة قبول الآخر هي العنف.

اقرأ أيضاً:  اللاعنف.. والعدّ للعشرة- ناجي سعيد

واستنادًا لما قاله غاندي: “أعبد حجر ولكنّ لا تضربني به”. ونستنتج من هذه المقولة بأن المهاتما غاندي من دعاة قبول الأخر والاختلاف. ومفهوم عدم قبول الاختلاف لا يلد مع الإنسان فطبيعة الإنسان خيّرة كما يقول فلاسفة اللاعنف. لكن ما هو الذي هدّد باندثار مفهوم ثقافة الاختلاف؟ أعتقد بأن المسار الإنساني لا يعرقل مفهومًا هو من أساسات اللاعنف الذي يخدم مصلحة الإنسان أصلاً. ولكنّ حين تدخل في هذا المسار مستويات عدّة قد تعرقل ديمومة مسار ثقافة الاختلاف وقبول الآخر المختلف. فكيف لإنسان يعيش حرًّا في دولة نامية، أي في طور النمو، وقد استبدل مصطلح “نايم” ب”نامي”، كي يُحفظ ماء وجه الدول الفقيرة.

والدولة النامية منشغلة بأمرين: الأول في حال عدم وجود الفساد في الطاقم المتربّع على سُدّة الحكم، حينها يكون ملهيًّا في الحفاظ على الكرامة للمواطن والمتمثّلة بشكل اعتيادي في تأمين العمل والرزق والضمان الاجتماعي والطبابة والكرامة والحريّة في التعبير عن الرأي السياسي والاجتماعي. ومسموحٌ له مساءلة الوزراء والنوّاب في إدارتهم لشؤون المصلحة العامة. أمّا في الحال الثاني: ففي دولة يعمّها الفساد، والفساد المالي يعزّز عند الناس مفهومًا خاطئًا مفاده بأن الذي يملك المال هو الإنسان المحترم، أمّا الفقير فلا قيمة له في المجتمع.

اقرأ أيضاً: في اليوم العالمي للّاعنف..إنه نمط عيش_ ناجي سعيد

وهذه الطبقية المجتمعية تكرّس في نفوس الأغنياء بُعدًا عن الآخر. والبعد في هذه الوضعيّة يحمل وجهان: الاحتقار للفقير من قبل الغني، والتنافس الإلغائي للغني من الغنيّ الآخر الذي يشاركه الطبقة الاجتماعية. إذا ففلسفة قبول الاختلاف يحكمها البعد الاقتصادي بشكل أساسي. وأثر هذا البعد مرتبط بشعور سلبي عند الفقير الجائع، فيترجم على الأقلّ بحقد وغلّ طبقي قد يتحوّل إلى أمور مؤذية للمجتمع. فإمّا تغسل فئة سياسية حزبية معادية للإنسانية وقريبة من الإرهاب دماغ هذا الفقير فتُجنّده لخدمتها. فتزوّده بالسلاح وبأبسط مقوّمات العيش هي بالأساس حقٌّ حُرم منه من دولته لتقصير معيّن.

وإن كان هذا الفقير واعيًا ولم يستسلم للإرهاب تراه يعيش متشرّدًا مع أولاده الذي قد يقاربون العشرة أولاد، فثقافة الاختلاف إذًا تتطلّب أمور عدّة من الإنسان، وليس تعجيزًا ما أقترح، فيكفي امتلاك الوعي الذاتي، وهذا لا يحتاج تعليمًا وتمويلاً.. بل العودة إلى إنسانية تبدأ بتقدير ومعرفة وحبّ الذات التي تعبّد الطريق إلى الشعور بالآخر وتقديره واحترامه.

نعم من يقرأ هذا الكلام قد ينتقد المسار قبل تجربته، والسؤال المُحرج للقارئ: هل تعرف ذاتك؟ ما هي إيجابياتك وما هي سلبياتك؟ هل فكّرت يومًا بتطوير ذاتك ومعرفتها والعناية بها؟ وكم مرّة طلب أحدهم منك شيئًا ونفّذته وهو فوق طاقتك وقدراتك؟ وببساطة هل طلب منك صديق أن يستدين منك مبلغًا من المال، ولكي لا تسفّهه استدنت المال من شخصٍ آخر وأعطيته؟ ومن ثمّ ذهبت إلى البيت وبدأت عمليّة “النقّ”. فإمّا زوجتك انهالت عليك باللوم، وإمّا انت استفرغت كل الشتائم على صديقك المستدين.. وعلى زوجتك.” حلّي عنّي يا مرا اللي فيني مكفّيني”. كيف يمكن لهذه الطريقة المليئة بالكذب على الذات أن تتقبّل الآخر المختلف.
يجب علينا تنظيف مساحتنا الداخليّة ليسهل علينا قبول الآخر المختلف.

اقرأ أيضاً: كيف يظهر العنف الأسري وكيف ننهيه_ ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع