“ثروت الأخضر”… كلما أغلقت الحرب باباً في وجهها كانت تجد للحل طريق

ثروت… الإصرار على النهوض والبداية من جديد

سناك سوري – لينا ديوب

لم يكن التحدي الأكبر أمام “ثروت الأخضر”، أن تعود لعملها القديم في الحلاقة، أو لإنعاش عمل زوجها في الخياطة فالزوجان فقدا عملهما مع اشتداد الأعمال العنفية صيف سنة 2013 في ريف دمشق.

لقد كان التحدي الأبرز في مواجهة الظروف التي فرضتها الحرب لاحقاً، من فوضى أمنية وصعوبة التنقل والنقل، والتلاعب على القانون، لإعالة أطفالها الأربعة الذي لم يتجاوز كبيرهم التاسعة من عمره ويعيش صدمة رؤية والده وهو يُقتل على يد “مسلحين” في ريف دمشق عام 2013.

باعت “ثروت” مصاغها واشترت شقة صغيرة بعد أن عادت إلى مدينتها “اللاذقية” سنة 2015، وبدأت تعمل في  مهنتها السابقة الحلاقة النسائية داخل البيت، لأنها لا تستطيع الابتعاد لساعات طويلة عن أبنائها لصغر سنهم، لكن عائد الحلاقة لم يكن ليغطي التكاليف التي تزداد يوماً بعد آخر، ففكرت بإحياء عمل زوجها بالخياطة، حيث كان يملك معملاً في حرستا يضم 40 ماكينة حبكة ودرزة سعر كل منها حالياً مليوني ليرة سورية، سُرقت جميعها بعد عمليات ابتزاز متكررة لحمايتها، ومن بعدها خسرت ورشة صغيرة في “جرمانا” تضم بعض الآلات.

اقرأ أيضاً:“أم النور”.. اختارت أن تعمل سائقة تاكسي أجرة لتأمين حياتها!

عادت لمنطقة مساكن “برزة” بدمشق بعد أن طلبت من والدتها المساعدة برعاية أطفالها، استأجرت قبو بماكينتين للدرزة والحبكة، وبدأت بالخياطة بالاعتماد على صداقات زوجها السابقين في المهنة، سواء بتأمين المقص دار أو عمال الخياطة والحبكة وغيرها، لأن العاملات لا يستطعن التأخر بعد الثالثة عصراً في الأوضاع السائدة حينها، وعادت لبعض الزبائن في السوق المحلية، وفي السوق الخارجية في “السعودية” و “العراق”، لكن بتحديات لا يمكن مواجهتها، فقد بدأ العمال الذكور بترك العمل الواحد تلو الآخر، إما بسبب السفر أو الخدمة الإلزامية، كما ازدادت صعوبة نقل الإنتاج، في الداخل كانت الطلبيات تتعرض لابتزاز بعض الحواجز في أطراف “دمشق”، وإلى الخارج بسبب عدم التزام شركات الشحن بالشروط، حيث يتم التعاقد على النقل الجوي وفعلياً يتم النقل عبر البر، مما يُعرّض البضائع للضرر والتأخير في موعد التسليم، ما اضطرها لتغلق المشغل وتغيير طريقة العمل، بأن تحضر الأقمشة وتصنع الألبسة في مشاغل بقلب العاصمة، لكن مع خسارة بعض زبائنها في الخارج الذين تركوها وتوجهوا لـ “الصين” و “تركيا”، بدأت بالتفكير بتغيير عملها.

اقرأ أيضاً:سوريا: إمرأة ريفية تصدِّر المكدوس

تقول “ثروت” لـ سناك سوري:«تحسن الأوضاع الأمنية لم يخفف من الصعوبات، فقد تسبب الغلاء وعدم توفر القدرة الشرائية عند الناس إلى جمود وأحيانا كساد الإنتاج، لكن تحسباً لأي طارىء ولأن مشواري في تربية أبنائي الأربعة لم يزل طويلا، أعمل اليوم بعد أن استعدت قطعة أرض كان اشتراها زوجي قبل الأحداث إلى استثمارها كمنتزه عائلي ومكان آمن للأطفال».

“ثروت” واحدة من نساء كثيرات، لم تسمح لهن الحرب إلا بالخروج إلى سوق عمل لا يرحم، لكن واجهن كل صعوباته، والحديث الطويل لدى الحكومة عن تمكين المرأة، ومساعدتها لترك أدوراها التقليدية، جاءت الحرب لتحققه، فقد أسست النساء مشاريع خاصة بها، وعملت في مهن كانت حكراً على الرجال.

في دراسة صادرة قبل أشهر عن مركز مداد للأبحاث أعدها الدكتور “أيهم أسد” والتي حملت عنوان دور سياسات مؤسسات التمويل الاجتماعيّ في التمكين الاقتصادي للمرأة 2001- 2017 بينت الدراسة أن النساء لم يستفدن إلا بأقل من نصف خدمات التمويل الاجتماعي، أي أنه ورغم انتشار تلك المؤسسات، فإنَّ فعاليتها في التمكين الاقتصادي للمرأة السورية ما زال محدوداً.

على كرهنا للحرب ورفضنا لها، لكنها سببت بخروج النساء للعمل وتحدي المعوقات، لإعالة أنفسهن وأبنائهن، وسطرن قصص نجاح تزداد كل يوم.

اقرأ أيضاً:“سمعانة شيخ سليمان” أم تتحدى آلامها الجسدية وتعمل لتؤمن لقمة عيش أسرتها

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع