“تركيا” تحرم السوريين من حق اللجوء.. استثمار المأساة بالسياسة!

أم سورية تودع ابنها الذي احتجزته الشرطة التركية لترحيله من اسطنبول_ فايسبوك

الرئيس المؤمن يتخلى عن مبدأ “المهاجرين والأنصار” مقابل “منطقة آمنة”!

سناك سوري _ محمد العمر

انتهت فجأة سنوات الترحيب باللاجئين السوريين في “تركيا” وانقلبت الأمور بين عشية وضحاها لتبدأ حملة الترحيل القسري للاجئين بذريعة وجودهم بشكل غير قانوني خاصة في “إسطنبول”.

وإذا أردنا أن نتحرّى الدقة في التسميات فإن السلطات التركية لا تطلق على السوريين صفة “اللاجئين” بل تسمّيهم الأنظمة التركية “المشمولين بنظام الحماية المؤقتة” وهو النظام الذي يخضع له حاملو بطاقة الحماية “الكيملك” من الأجانب بكل جنسياتهم.

إلا أن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الذي كان يقدّم نفسه كزعيمٍ للعالم الإسلامي رغم قيادته لبلد (علماني)، أرسى نظاماً معنوياً للسوريين حين أطلق عبارته الشهيرة مع تزايد أعداد السوريين في “تركيا” منذ بدايات الحرب السورية والتي قال فيها عن السوريين «سنكون نحن الأنصار وهم المهاجرون».

حينها هلّل كثيرون لخليفة الشرق الجديد ورأى فيه جمهوره مثالاً لأمير المؤمنين الصالح الطيب الذي يعامل اللاجئين برحمة وعطف بما يمليه عليه دينه الذي يلتزم بمبادئه في الوقت الذي امتنعت فيه دول عربية عن استقبال السوريين وهو القائل «وجود السوريين في تركيا بركة».

لكن رأي جماهير الرئيس التركي حتى من السوريين والعرب لم يكن دقيقاً جداً فقد كان مأخوذاً بالعاطفة الدينية وأثر الخطاب الديني واستحضار النموذج التاريخي حول المهاجرين والأنصار.

الحقيقة هي أن الحكومة التركية حرمت ملايين السوريين من حق “اللجوء” حين رفعت شعار “المهاجرين والأنصار”، فلم يعد السوريون يتمتعون بحقوق اللاجئين التي ينص عليها القانون الدولي واتفاقية اللاجئين 1951 التي وقّعت عليها “أنقرة”.

حيث لا يوجد في القانون الدولي مسمّى “المهاجرين والأنصار” بل تنظيم واضح خلال اتفاقية 1951 لحقوق اللاجئين وتعريف للفظة لاجئ وأبرز حق من حقوقه هو امتناع الدولة المضيفة عن ترحيله قسراً إضافة إلى أن القانون الدولي العرفي الذي يشمل حتى الدول غير الموقّعة على الاتفاقية ينص على الامتناع عن الإعادة القسرية للاجئين.

في حين قادت السلطات الأمنية التركية مؤخراً حملة اعتقالات واسعة ضد اللاجئين السوريين تركّزت في “إسطنبول” التي تضم العدد الأكبر من اللاجئين، وقدّم العديد من الذين تم اعتقالهم شهادات متشابهة حول ظروف الاعتقال وتعرّضهم للضرب والإهانة والإجبار على توقيع أوراق تنص على قبولهم العودة الطوعية إلى “سوريا”.

بينما تمّ نقلهم بحافلات قوات الأمن لساعات طويلة في ظروف سيئة حتى وصولهم إلى “إدلب” حيث تمّ الإفراج عنهم في المحافظة التي تخضع لسيطرة “جبهة النصرة” بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر على حياتهم.

اقرأ أيضاً:تركيا تقيِّد “سوريين” وترحلهم إلى “سوريا”.. وقيادي أخواني يبرر ذلك!

وقد اعتقلت “النصرة” عدداً من المرحّلين قسراً من “تركيا” بذرائع مختلفة، في حين يحرّم القانون الدولي ترحيل اللاجئين إلى المناطق التي لا تزال تشهد نزاعات وحروب تهدّد حياة الأشخاص، وهو ما تجاهلته “تركيا” في حملتها الأخيرة.

في المقابل دافع الإعلام التركي بشدة عن الحملة التي انطلقت منذ إعلان “أردوغان” حزمة إجراءات لتشجيع عودة السوريين، وشدّدت وسائل الإعلام التركية على أن الحملة تهدف إلى تنظيم وجود اللاجئين وانتشارهم في الولايات التركية، وكان لحجم الضخ الإعلامي المتصاعد ضد السوريين وحشد الرأي العام التركي لمواجهة السوريين أثر كبير في تغيُّر نظرة المواطن التركي نحو اللاجئ السوري.

حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة “كوندا” المتخصصة بالأبحاث أن نسبة المواطنين الأتراك الذين يقبلون مشاركة السوريين المنزل ذاته تراجعت من 14% عام 2016 إلى 7% في تموز 2019! كما تصدّر هاشتاغ “لا نريد السوريين” قبل أيام موقع “تويتر” كأكثر الهاشتاغات تداولاً بين المستخدمين في “تركيا”.

بدوره أنكر وزير الداخلية التركي “سليمان صويلو” قيام السلطات التركية بعمليات ترحيل قسري للسوريين، مؤكداً خلال زيارته لمركز إيواء مؤقت للاجئين في ولاية “قهرمان مرعش” أن الحملة الأمنية تكافح الهجرة غير النظامية وأنه لا يمكن قبول ترحيل أي سوري في وضع الحماية المؤقتة، على الرغم من وجود شهادات مصوّرة لسوريين يحملون “الكيملك” تم ترحيلهم قسراً إلى “إدلب”.

وسائل الإعلام السورية المعارضة بدورها اكتفت بنقل أخبار ما يحدث في “إسطنبول” بخجل دون أن تتجرأ على انتقاد الإجراءات التركية بوضوح، فيما التزم كثيرٌ من المعارضين الصمت حيال ما يتعرّض له السوريون.

أما المعارضون السوريون المقيمون في “تركيا” فقد التزم الكثير منهم الصمت تجاه ما يحدث، في حين لم يتردد المعارض المنتمي إلى جماعة “الإخوان المسلمين” “ملهم الدروبي” أن يطلق صفات مسيئة بحق السوريين لأجل الاستمرار في مديح الحكومة التركية.

من جهته لم يخرج “الائتلاف المعارض” عن نهج موالاة “أنقرة” في قراراتها وتبرير ما تفعله حتى وإن كان موجّهاً ضد السوريين، فبعد لقائه بوزير الداخلية التركي الخميس الماضي خرج رئيس الائتلاف “أنس العبدة” ليقول أن أوروبا بكل اقتصادها القوي لديها مليون لاجئ أما “تركيا” فتستضيف 3.7 مليون لاجئ! فيما بدا تبريراً واضحاً للإجراءات التركية.

من جانب آخر فإن حكومات “العدالة والتنمية” بقيادة “أردوغان” أجادت استثمار ورقة اللاجئين السوريين منذ بداية الأزمة في إقحامها بالمفاوضات السياسية، حيث سبق للحكومة التركية أن هدّدت “أوروبا” بإغراقها باللاجئين رداً على تجميد ملف انضمام “تركيا” للاتحاد الأوروبي.

ومارس “أردوغان” مراراً سياسة ابتزاز للدول الأوروبية لتقديم مساعدات وصلت إلى أكثر من 5 مليار يورو بذريعة دعم اللاجئين في “تركيا”، ولم يترك مناسبة لم يذكر فيها أن عدد اللاجئين السوريين في “تركيا” تجاوز 3 ملايين لاجئ.

لاحقاً مع سيطرة قوات العدوان التركي على مناطق من الشمال السوري خلال عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” بدأ التوجه الرسمي التركي يروّج لرواية تفيد بأن “تركيا” فرضت الأمن والاستقرار في المنطقة وأن السوريين يعودون إلى مناطق السيطرة التركية، على الرغم من أن أهالي تلك المنطقة وأبرزها “عفرين” نزحوا من منازلهم بسبب العدوان التركي وليس العكس!

أخيراً تحاول الحكومة التركية مؤخراً إقناع “الولايات المتحدة” بإنشاء منطقة آمنة داخل الأراضي السورية تحت إدارة تركية تزعم أنها ستكون ملاذاً آمناً للاجئين العائدين من “تركيا” والذين تصرّ “أنقرة” أن أعدادهم تتزايد، وإن لم تتزايد بإرادتهم فلدى “الأنصار” طرق لإعادة “المهاجرين” قسراً.

اقرأ أيضاً:مهلة شهر للسوريين لمغادرة “اسطنبول” والاعتقالات لا زالت مستمرة !

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع