بين دستورين .. سوريا من دولة فيدرالية إلى المركزية المطلقة

المجلس النيابي السوري في الخمسينيات _ انترنت

كيف أقرت العروبة والإسلام في الدستور السوري ومن اعترض على ذلك؟

سناك سوري _ دمشق

نص الدستور السوري عام 1920  على أن “سوريا” دولة اتحادية فيدرالية مؤلفة من مقاطعات تشكّل وحدة سياسية لا تقبل التجزئة، إضافة إلى وجود لا مركزية في إدارة البلاد بحيث يكون لكل مقاطعة مجلساً نيابياً خاصاً بها وحكومتها الخاصة بها، مع إبقاء الأمور الأساسية الأخرى في اختصاص السلطة المركزية على غرار أي نظام فيدرالي.

إلا أن دستور 1920 لم يعش أكثر من 11 يوماً وأعقِبَ بدستور 1930 الذي كان تطويراً لمشروع دستور 1928 الذي اعترض عليه الحاكم الفرنسي بفترة الانتداب بما يتعلق بالاستقلالية التي يمكن أن تأخذها الحكومة السورية عن “فرنسا”.

أقرَّ دستور 1930 وتم العمل به ولكن على فترات متقطعة بسبب تعليقه في أكثر من مناسبة وصولاً إلى العام 1949، وكانت محاوره الرئيسية تنص على أن “سوريا” جمهورية نيابية ووحدة سياسية لا تتجزأ وذلك رداً على تقسيم “سوريا” إلى دويلات بفترة الانتداب الفرنسي، كما نصَّ على تمثيل الأقليات العرقية والدينية في البرلمان وحجز حصة لهم من المقاعد لدرجة أن الدستور المذكور اتهم حينها أنه يستنسخ نظام “الملل والنحل” العثماني.

لكن دستور 1930 لم يبقَ كما هو طوال تلك الفترة بل تعرّض لتعديلين، كانت المرة الثانية منهما عام 1948 تهدف للسماح للرئيس “شكري القوتلي” بالترشح للرئاسة مجدداً، حيث أن الدستور حينها كان ينص على عدم السماح بتولي الرئاسة لولايتين متتاليتين ويشترط الانقطاع لولاية كاملة حتى يمكن للرئيس الترشح مرة ثانية، بحيث يتسلم الرئاسة لولاية واحدة ثم يحق له الترشح بعد انقطاع وليس لفترتين متواصلتين، ولكن الدستور عُدِّل حينها وترشّح “القوتلي” للرئاسة وفاز بالرئاسة.

اقرأ أيضاً:الإدارة المحلية في سوريا (2) .. التحول إلى اللامركزية الإدارية

ومع انقلاب “حسني الزعيم” تم تعليق العمل بالدستور في 30 آذار 1949، حيث جاء انقلاب “الزعيم” بضغوط أمريكية، وكان لـ”الولايات المتحدة” دوراً رائداً في إجهاض الفترة الديمقراطية بين 1946 و 1949 بتدشين عهد الانقلابات العسكرية خدمة لمصالح الدول الكبرى، مثلما كان للانتداب الفرنسي دوراً بإجهاض الديمقراطية في “سوريا” في العشرينيات.

ولعب الغرب في أكثر من مكان دوراً خطيراً بمنع قيام أي ديمقراطية مناوئة له وسمح فقط بالديمقراطيات التي تكون في سياق التعاون والتحالف معه،في حين تم افتتاح أعمال أول جمعية تأسيسية بعد الاستقلال في كانون الثاني 1950 مؤلفة من 144 عضواً وكانت تضم معظم القوى والأحزاب السياسية المتواجدة في “سوريا” وترأسها “ناظم القدسي” وكان مقرر لجنة الدستور فيها “عبد الوهاب حومد”، وصدر الدستور في أيلول 1950 أي في غضون 9 أشهر عقدت خلالها 62 جلسة، وفي جلستها قبل الأخيرة تبنت اللجنة الدستورية اقتراحاً قدّمه 10 أعضاء ينص على إضافة مادة للدستور تقول بانتهاء صفة الجمعية التأسيسية مع نهاية أعمالها وتحولها لمجلس نيابي يبدأ مهامه في كانون الأول 1950، وهذا ما حصل.

في الجلسة الأخيرة تم التصويت على دستور 1950 ونال موافقة الأكثرية باستثناء 6 أعضاء فقط اعترضوا عليه وأبرزهم “جلال السيد” أحد رموز حزب “البعث” حينها، و”عصام محايري” رئيس الحزب “السوري القومي الاجتماعي”.

اقرأ أيضاً:كلمة “فائق حويجة” من كتلة المجتمع المدني خلال الاجتماع الموسع الأول للجنة الدستورية 31/10/2019

ضم دستور 1950 مقدمة و166 مادة موزعة على 10 فصول، وللمرة الأولى تم إفراد فصل خاص للتقسيمات الإدارية، وكانت تلك الحقبة تشهد اجتياح تيارات بارزة للساحة السورية تجسدت في التيار القومي وعلى رأسه حزب “البعث”، وتيار ماركسي يقوده الحزب الشيوعي السوري، وتيار ديني يمثله “الإخوان المسلمون” وشخصيات دينية أخرى، وبقايا تيار ليبرالي.

وبعكس دستور 1920 فإن دستور 1950 لم يذكر أبداً اللا مركزية الإدارية، ونصّت مقدمة الدستور على أن المجتمعين في الجمعية التأسيسية يمثلون الشعب السوري “العربي”، إضافة إلى أنها نصت على القول «لمّا كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا، ونعلن أن الشعب السوري هو جزء من الأمة العربية».

إقرار العروبة وذكر تمسّك الدولة بالإسلام لم يعترض عليهم أي نائب باستثناء القومي السوري “عصام محايري” الذي قدّم 3 اقتراحات لحذف هذه المواد ولكن لم يصوّت معه أحد.

للمرة الأولى يذكر الدستور السوري مصطلح “المحافظات” في التقسيمات الإدارية، وتحدثت المواد 128 و 129 عن آليات انتخاب مجلس المحافظة ومهامه وصلاحياته، فيما تحدثت المادة 130 عن موارد المحافظات، ولم يقترب دستور 1950 مطلقاً من اللا مركزية السياسية بسبب حداثة تشكّل الوطن السوري حينها بعد خروج الاستعمار العثماني أولاً وخروج الانتداب الفرنسي لاحقاً، حيث كان هناك تخوّف من العودة للتقسيم تحت شعار اللا مركزية أو غيرها.

نقطة مضيئة ضمها الدستور تقول بانتخاب ثلاثة أرباع مجلس المحافظة وينتخب المحافظ من المجلس نفسه، أما فيما يخص اللا مركزية الاقتصادية فمنعت المادة 130 من الدستور أن تسنّ الضرائب من المحافظات وحصرتها بالسلطة المركزية التي تقر قوانين الضرائب وتعطي حصة من عوائدها للمحافظات، فيما يحق للمحافظات سنّ رسوم محلية بشرط أن تكون مقوننة، في حين تكون الموارد الطبيعية حقاً حصرياً للدولة المركزية وليس للمحافظات، ودون أن يكون للمحافظة حصة منها أو ما شابه.

وبخصوص اللا مركزية الإدارية، فإن دستور 1950 نص على أنه لا استقلالية إدارية للمحافظات، ولا حديث عن طريق تعيين الموظفين في المحافظة، ما يعني غياباً شبه كامل للا مركزية الإدارية.

لكن نقاطاً إيجابية أخرى وردت في دستور 1950 لناحية إفراده 28 مادة عن الحقوق والحريات، وتضمنه مواداً لحماية حقوق العمال والفلاحين، ولإقرار مجانية التعليم وإلزام الحكومة بمحو الأمية في “سوريا” خلال 10 سنوات، والأبرز منح المرأة السورية حق الانتخاب واستخدام اللغة الجندرية للمرة الأولى في الدستور.

المعلومات الواردة في هذه المادة من محاضرة ألقاها عضو اللجنة الدستورية السورية المحامي “فائق حويجة” الشهر الماضي في المركز الأوروبي للدراسات الكردية.

اقرأ أيضاً:سوريا وتاريخ من اللامركزية .. دولة مدنية وإدارات محلية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع