بين الياسمين والتَعرُق.. توليفة روائح الصيف معاناة كل عام

باصات النقل الداخلي

بتحطو كولونيا؟ .. بتتأملوا نهر بردى ؟..  بؤس صيفي في نهارات دمشقية

سناك سوري – دارين يوسف

“أهلاً جاء الصيف” جملة لطيفة تحضر مع أولى تباشير هذا الفصل الدافئ حتى الاحتراق، وأنتظره بصبر بعد شتاء بارد يسكن في العظام، واللاشعور البشري الذي كان يوقظني من نومي أرتجف من ظلمة الليل، وبرودته الشديدة بسبب تقنين الكهرباء.

الصيف يعني أريج منبعث من البحر، وصنوبر وسنديان الجبال، وفواكه المانغا والخوخ والبرقوق والكرز وياسمين وجوري الشام .. ما ذكرته هو الجانب المضيء من الحكاية، أو ربما هكذا ما يصوره لي عقلي من صور وردية.

لكن انتظروا لأحدثكم عن الجانب الآخر الأشد إيلاماً ونفوراً .. (تقنين كهرباء.. انقطاع للماء.. حرارة طقس مرتفعة.. مواصلات.. ومواطنون بعضهم مازال يعيش كأنه في العصور الوسطى، معتقداً أن الاستحمام واستخدام مزيل التعرق سيرمي به في جهنم .. جهنم تلك التي هي على طريقة “دانتي” في “الكوميديا الإلهية”).

سيناريو يبدأ مع الصباح الباكر كل يوم، ويستمر كذلك دون انقطاع، كم كنت أتمنى، ومازلت لو أن هذا السيناريو قابل للعدوى من الكهرباء التي تنقطع معظم أوقات النهار، والليل وفي الإجازات، والمناسبات السعيدة والتعيسة.

وسط الازدحام، والتدافش، وبعد أن أحقق إنجاز الحصول على مقعد في مواصلات النقل العام (باص النقل الداخلي غالباً)، وأسترخي في مكاني مع ابتسامة الظَفَر، أول ما يوقظني من تلك الحالة من الراحة المستعجلة، والقصيرة هي رائحة “باط مان” و”باط وومن” النفّاذّة التي تخترق نسيج الكمامة الطبية، ثم الأنف منبهة العصب الشمي، وبعدها إلى كامل الدماغ مباشرة مسببةً وجع رأس مفاجئ، ودوخة، ونفور، ولطالما عانيت من بكاء لا إرادي دموع تتساقط فجأة من عيني مع حُرقة بالجفون، ولا أستطيع منعها من الدحرجة على خدي في كل مرة يتكرر فيها هذا الموقف.

اقرأ أيضاً: سكان “جرمانا” غير قادرين على فتح نوافذهم والتنفس… والسببب روائح كريهة

تمازج روائح التدخين، والتعرق، والدخان الصادر من عوادم السيارات، وأنواع بعض العطور القديمة، ومنتهية الصلاحية التي يستخدمها البعض تثير فيك قوة “هالك” الرجل الأخضر بجبروته للقفز من نافذة السرفيس، أو إطلاق نداءات الاستغاثة، وتوسل الناس أن يهتموا بالنظافة الشخصية، واستخدام مزيلات التعرق.

ربما البعض معذور بسبب الأسعار الكاوية فعلبة مزيل التعرق ثمنها يبدأ من 10 آلاف ليرة، أشتريها معتقدة أنها ألمانية، أو فرنسية الصُنع كما هو مكتوب عليها، لاكتشف بعدها أنها صُنع ورشات مجهولة، ومخالفة، و لربما بضاعة مغشوشة قادمة إلينا من دول مجاورة.

وما يثير خوفي.. أن تتفاقم تلك المشكلة عاماً بعد عام، ولا أرى هنا من حل سوى أن يستخدم المواطن العزيز حلول الجدات من دهن عصير الليمون، أو استخدام الشبّة، وربما لن نرى ليموناً ولا غيره.. ولبطل وبطلة روائح الإبط في حال منعهما الكسل من الاستحمام أن يستخدموا حبتان من النفتالين تحت الإبط.

أنتهي من رحلة السرفيس وأمشي سيراً على الأقدام وسط أقدم عاصمة مأهولة في العالم “دمشق” وتستوقفني عدة مشاهد مؤلمة، ولكن نفسي حتى الآن لم تعتاد على الألم، وأشعر بالدهشة وكأنني أرى المشهد لأول مرة، نهر “بردى” الذي غنت له “فيروز”، ومياهه الشفافة النقية سابقاً التي أصبحت منذ سنوات مياه داكنة، آسنة، مليئة بالقاذورات، وتتصاعد منها رائحة الصرف الصحي، لطالما تراءى لي أن “بردى” يضاهي نهر “السين” في “باريس” جمالاً، وتأبي عيناي أن تراه غير ذلك رغم ما حلّ به.

وسط الضجيج، وصريخ الباعة الجوالين، وبائعي البسطات، وزمامير السيارات، والتشوه البصري بسبب بقع البصاق، والبلغم، والأوساخ في الشوارع، تتصاعد رائحة الفشة المشوية من البسطات (جزء من رئتي الخروف أو الماعز) التي باتت وجبة أرستقراطية لفقراء الحال لرخص ثمنها رغم أنها وجبة غير مرغوبة للأكل لدى معظم السوريين.

حتى رائحة الياسمين في هذه المدينة التي يلامس عشقها شِغاف القلب، تكون غادرة عندما تكون مزروعة بالقرب من حاويات القمامة الممتلئة بأكياس النفايات، وتتمازج رائحة الياسمين والقمامة في توليفة تُثير الشفقة. هذا السيناريو المأتمي يتكرر كل يوم، وكأنه مشهد تراجيدي على مسرح إغريقي.

وسط هذا البؤس الصيفي، تأخذني قدماي نحو مكامن السحر، وعبق التاريخ لأخرج من دوار الرأس، ولأعيد بناء طاقتي الإيجابية، ولأملأ رئتي برائحة البهارات، والتوابل، والفانيليا، والشوكولا، والقهوة، وصابون الغار من بزورية “مدحت باشا”، وسحر رائحة الورق من “سوق الكتب المستعملة” في “الحميدية”، والبخور المنبعث من كنائس “باب توما” و”باب شرقي” في “دمشق القديمة”.

رغم كل ذلك تبقى “دمشق” موطن الجمال، وموطن الوردة الدمشقية “روزا داماسينا” التي خلقتها الأرض لتضاهي جمال آلهة الحُب والجمال “أفروديت” التي خلقها إله البحر “بوسيدون” لتصبح الوردة الدمشقية الزهرة المباركة عند “أفروديت” واستخدمتها لتطرد من خلالها الشر وتبارك الحُب، بحسب ما خطّته الأساطير القديمة.. وتبقى “دمشق” المدينة التي تُخّلد في نفسي حُبّاً لاينتهي، ولا يبهُت.

اقرأ أيضاً: سكان حي دمشقي معرضون للخطر والمحافظة عاجزة عن إيجاد حل

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع