“بحر علي”.. دخل “دوما” خائفاً وخرج منها بفيض محبة واكتشاف

دوما - ساحة الغنم - انترنت

في زيارتي الأول لـ”دوما”

سناك سوري-عمرو مجدح

تبدو “دوما” كمدينة خارجة من إعصار وعلى الرغم من أثار الحرب الواضحة تقابلك إرادة الحياة مع أصوات ضحكات الأطفال وهم يلعبون في الطرقات ووجوه أبناء المدينة المرهقة التي تستقبلنا بابتسامات وترحيب حار يشعرني أنني أنتمي لهذا المكان، لم أتوقع أن تكون مساحة “دوما” بهذا الحجم ظننت أنها أصغر، في الطريق كان يخيل لي ما حدث في هذه الشوارع وما شهدته هذه المباني من معارك، وكيف كانت تقصف دمشق بشكل يومي من هنا.

أنت مندوبنا في “دوما” جملة قالها مديري لأكرر بعده مستغربا “دوما”؟

هكذا يتذكر “بحر علي” تفاصيل زيارته الأولى إلى “دوما” في ريف دمشق وهو الذي لم يذهب إليها منذ مايقارب الخمسة عشر عاما وذكرياته القليلة فيها كانت في طفولته وهو يقوم بزيارة بيت عمتة المقيمة هناك يوم كان يسكن المنطقة عدد من الأهالي حتى من غير أبنائها.

يضيف: «أنا مندوب لشركة أدوية أعمل فيها لأكثر من سنة والأماكن التي أزورها في العادة هادئة وبعيدة عن مناطق الحرب والصراع فوجئت بقرار المدير وقلت كيف أذهب ومن مدة قريبة كان المتطرفون يقتلون كل المختلفين عنهم؟ كيف ترسلني إليها؟ كل ماجال في ذهني وقتها تلك الصور على شاشة التلفاز للأسرى في الأقفاص، للمسلحين، للعنف، للدمار..إلخ تتداخل في رأسي كل الأحاديث التي يتداولها الأهل والجيران والأصدقاء عن هذه المناطق لكن الدكتور طمأنني أن الحياة هناك أصبحت طبيعية قائلا: «اذهب وجرب ولو كان هناك أي خطر لما كنا تركناك تذهب وأنت لست أول من يذهب».

طلب المدير من أحد الشباب ممن سبق لهم الذهاب إلى المنطقة الإنضمام لي وكنا نحن الاثنان من منطقتين وثقافتين مختلفتين عن ثقافة المنطقة، وأحس الشاب بتوتري وهمس قائلا: «هناك أحلى ناس وأكثر ناس مناح ممكن تشوفن أنت بس بعد عن رأسك كل الأفكار السودا».

عند أول عيادة استوقفني استماعهم للأغاني الحديثة والعصرية لا أعرف لماذا توقعت أنهم لا يستمعون للأغنيات!، قابلني من التقيتهم بود واحترام واطمأن قلبي ولكن ما أن أشار أحدهم قائلا : أنت لست من شباب المنطقة؟ حتى عادت الكوابيس تسكن رأسي فأجبت “لا ” لتتوالى بعدها الأسئلة منين؟ من بيت مين ؟، أجبتهم أني من المزة ثم حاولت تغيير الموضوع.

لفتني منظر الجمال المعلقة من رقابها أمام المحلات في الشوارع فلم يسبق لي أن شاهدت شيء شبيه في دمشق ثم عرفت أن لحم الجمال هو المفضل هنا.

مما لم أكن معتاداً عليه أيضا عند دخولي لأي عيادة أن تبدأ النساء بالتمتمة والهرب وبحركة سريعة يقمن بتغطية وجوههن ما أعاد لمخيلتي مشاهد من مسلسلات البيئة الشامية.

في إحدى الطرقات رأيت سيدة متشحه بالسواد تقوم بإرضاع طفلها غضضت البصر وإذا بأحد يمسكني من ظهري لدرجة جعلتني أنقز من الرعب التفت لأجد سيدة آخرى تسألني إن كنت دكتور من “دمشق” فقد رأتني في العيادة وأدركت أنني قادم من دمشق ثم طلبت مني مساعدتها في إيجاد دواء لابنها ليس متوفراً في المنطقة أخذت رقمها ووعدتها أن أبحث عنه.

يضيف “علي”: «في نهاية زيارتي الأولى خلصت أنه في بعض الأحيان يجب أن نكسر حواجز خوفنا بالمواجهة ورغم كل تلك الأفكار السوداوية التي كانت تراودني إلا أن هذه التجربة جعلتني أعيد النظر وألا أطلق الأحكام المسبقة على منطقة أو أحد ما فبعدما تكررت زياراتي لدوما ولم أعد أخفي هويتي أو أغير كنيتي مازال الجميع يعاملني بمحبة وود وإحترام شديد، الناس هناك قمة في البساطة والأخلاق والتدين أتساءل أحيانا كيف تم تضليل بعضهم لكني أعرف أنه في النهاية لن يصح إلا الصحيح».
ربما غيرت الحرب كثيراً في السوريين، لكنهم مازالوا يحافظون ما استطاعوا على حسن الضيافة والود والطيبة، وربما بقليل من التواصل يمكننا إصلاح بعضٍ مما غيرته الحرب في النفوس، من أجل غدنا معاً ومن أجل الحاضر والمستقبل.

اقرأ أيضاً: من يهود “سوريا” إلى “هالة” بنت “ألبير” اليهودي – عمرو مجدح

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع