الوساطة في اللاعنف… خيار ماقبل القضاء والمحاكم – ناجي سعيد

ناجي سعيد

لماذا لا تعلم مدارسنا مادة الوساطة؟ لماذا لا تجرب الوساطة في نزاعات الأطفال؟

سناك سوري-ناجي سعيد

من الممكن أن يربط الإنسان الناضج فكرة التوازن (بين العاطفة والعقل) مع المقولة الشائعة: خير الأمور أوسطها. فالكبار باعتبارهم ناضجون، كثيرًا ما يعظون صِغار العُمر عند إقدامهم بحِيرةٍ على اختيار أمرٍ بين إثنين بالقول: خيرُ الأمور أوسطها. ويظنّ البعض بأن القولَ منسوبٌ إلى الأحاديث النبوية. بينما حقيقة هذه الجملة، هي حكمة، و” كما قال ابن عبد البر في الاستذكار، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه البيهقي..” وكان موضوع البقاء في الوسط شائكًا طوال الوقت في ذهني.

فمن المُحرج، أن تكون مراهقًا وتَحضُر شجارًا بين صديقين لك، وتبقى محايدًا!، مسار العنف ينمو في حال انخراطك في النزاع بجانب أحد الطرفين. واللاعنف المنشود قد يُحرج الإنسان على المستوى الشخصي، فيُنعت بأنّه “جبان”. وما يدعم صوابيّة موقف المراهق الواعي بأنّ هذا النعت مصدره صبياني غير واعٍ أبدًا. فالوعي الجماعي لا يُدرك أهمّية الوقوف على الحياد بهدف تجنّب الغوص في النزاع.

معلومٌ أن النزاع أمرٌ “حتمي” لا مفرّ منه! ولكن كيف نواجهه؟ لو عرضنا تجربة “علم النزاع”، فالرحلة مستمرّة التطوّر. فقد بدأ العلماء والخبراء بالعمل في هذا المجال، تحت عنوان: حلّ النزاع، وقد كانوا يظنّون بأن لكلّ نزاع حلّ، والحلّ يعني انتفاء وجود النزاع مع خاسر ورابح! من ثمّ تطوّر هذا العلم، حين تعرّفنا إلى مفهوم: “تحويل النزاع”، ومختصر هذه الفكرة العلميّة التي تشبه “الكيمياء”. فالنزاع هو طاقة سلبية، ومن الممكن تحويل هذه الطاقة السلبية إلى إيجابيّة، للاستفادة منها، فلا تؤذِ أحد، بل يمكن أن يربح الطرفان.

اقرأ أيضاً: اللاعنفي ليس سوبرمان من كوكب كريبتون – ناجي سعيد

وفي المرحلة الأخيرة والتي ما زالت في سير التطوّر قُدماً، مفهوم: التعامل مع النزاع. وبهذه الحالة، تُفتح الاحتمالات على وجود طرق ووسائل لمواجهة أي نزاع بالطريقة الفُضلى التي تُغذّي اللاعنف، بالفلسفة ونمط الحياة. ومن إحدى الطرق العلاجيّة لا الوقائيّة، تقنيّة الوساطة. ومن الضروري للتعريف عن الوساطة أن نذكر ما يلي: لا تكون الوساطة إلاّ برضى الطرفين، فهي لا تُفرض على مُتنازعين، إلاّ إذا أرادوا الوصول إلى اتّفاق.

ويمكن أن نختصر خطوات الوساطة بالتالي:

– الإيمان أوّلاً بأنّ التفاوض هو الخيار المُتوفّر لحلّ الخلافات بين الطرفين.

– أن التفاوض يلبّي قدر الإمكان مصالحَ للطرفين المتنازعين.

– التفاوض لا يُفسد للودّ قضيّة، فتبقى العلاقات جيّدة ومترسّخة. وبالطبع لا بدّ أن تكون الاتفاقية الناتجة عن التفاوض قابلة للتنفيذ.

اقرأ أيضاً: المثقفون واللاعنف – ناجي سعيد

ولن نغفل تحديد المعايير التي يتّسم بها من يلعب دور الوسيط. الذي لن يُثمر عمله إلاّ من خلال اتباع قواعد محدّدة، ولو خالفها قد تتعرّض عملية الوساطة للفشل. مثل: موافقة طرفي النزاع على إيجاد الحل عن طريق الوسيط، وهذا بعد انسداد أفق التفاهم بينهما / الالتزام بقواعد الحوار، على أن ينال كلّ طرف حقّه بالكلام والتعبير عن رأيه. أن يكون الوسيط مُحايدًا من خلال عدم تدخّله الشخصي بمحتوى النقاش. بل يكون مُيسّرًا للنقاش بموضوعيّة تامّة. والأهم بالخطوات، أن النتيجة النهائية، أي الحلول المُتوقّعة، يجب أن تكون نابعة من المُتنازعين أنفسهم. فالحلّ لا يُفرض من الخارج.

وبالطبع، لا بدّ لأن تكون الخطوات مدوّنة ضمن اتفاقيّة يوقّع عليها الطرفان. وهذا قانونيّ يضمن حقوق الجميع. وبالطبع أن ما ذكرته أعلاه، لا يكفي للحديث عن موضوع الوساطة، فالموضوع لا تكفيه صفحات للتوضيح. لكن لا بدّ من ذكر معلومة، تلقيتها في جامعة “أونور”، من مُدرّبة اسبانيّة، اعطتنا مادة الوساطة المدرسية، وهذا برنامج ابتكرته وقدّمته للحكومة الإسبانية، وقد اُعتمد في مدارس اسبانيا، حيث تمّ تدريب طلاّب وسطاء لحلّ المشاكل بين زملائهم. كما أن المحاكم الأوروبّية تعرض على المُتنازعين فكرة الوساطة قبل اللجوء إلى المحكمة والقضاء! ونحن ما زلنا نستشيطُ غضبًا لو رفع الجار صوت المذياع أو أحدث ضجّة، فنرفع صراخنا فوق ضجّته، وننتظر الطرف الثالث.. ليرفع صراخه أيضًا!!.

اقرأ أيضاً: الذات السعيدة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع