الهجوم على العائدين…. ثقافة احتكار الوطنية

طائرة تقل العادين من روسيا - سانا

مساهمة المغتربين السوريين في الاقتصاد السوري أكبر من مساهمة الصناعة السورية

سناك سوري – بلال سليطين

تتعرض الحكومة السورية والسوريون العائدون إلى سوريا لانتقادات لاذعة من قبل بعض السوريين في الداخل نظراً لارتفاع نسبة الاصابات المسجلة بفيروس كورونا بين العائدين، حيث شهدت الساعات الأربع والعشرين الماضية تسجيل 36 إصابة جديدة وهو مؤشر يثير خوفاً مبرراً لدى المواطن لكنه لايبرر احتكار الوطن.
حيث يدور حديث حالياً أن السوريين المغتربين تخلوا عن سوريا عندما احتاجتهم، وهم اليوم يعودون إليها حاملين معهم فيروس كورونا، وهو حديث سنعرج عليه في السياق لكن لابد من البداية أولاً بالحديث عن مافعلته الحكومة السورية خلال أزمة كورونا والقول إن الخطوات الحكومية تعد من الإجراءات النادرة التي رسخت فيها دور الدولة ومسؤوليتها تجاه مواطنيها، أولاً من خلال العمل على حمايتهم بالإجراءات الاحترازية، ثم تقدير الضرر الذي تعرضوا له وتقديم منحة التعطل، وختاماً بالتزامها تجاه مواطنيها بمن فيهم المقيمين بالخارج والعمل على إعادتهم إلى سوريا.

الدولة ليست حكراً على مواطنين، فهي مسؤولة أمام كل مواطنيها على اختلافاتهم، وكما على المواطن واجبات فإن له حقوق يكفلها دستور البلاد وأحد حقوقه اليوم هو إعادته إلى سوريا إن كان يرغب وتقديم الرعاية اللازمة له، ومن خلال رصد العائدين فإن غالبيتهم من الذين كانوا يعملون في الخارج ليساعدوا أنفسهم وأسرهم، أو طلاب، فهل كان المطلوب ترك هؤلاء ليموتوا في البلدان التي اغتربوا فيها بعد توقف أعمالهم وتدهور واقعهم المعيشي هناك، بعضهم كان على وشك النوم بالشارع وبعضهم كانوا يعيشون كل مجموعة في غرفة واحدة مؤخراً …إلخ من معاناة، إنها قضية إنسانية إلى جانب أنها حقوق مواطنين لايحق لأحد منعها.

اقرأ أيضاً: بعد الهند وأربيل.. سوريون عالقون في الدوحة يناشدون الحكومة: أعيدونا

الخوف مبرر.. لكن هل احتكار الوطنية مبرر

خوف المنتقدين من انتشار الفيروس مبرر جداً، لكن كيف ينتشر الفيروس اذا كان العائدون وضعوا في مراكز الحجر الصحي حتى نهاية الفترة اللازمة ومن ثم خرجوا منها آمنين وعادوا إلى أسرهم، إن الخطر ليس من العائدين وإنما من تراخي الإجراءات، من وجود واسطات قد تخرج فلان من الحجر الصحي قبل استكمال المدة، والمطلوب ليس منع السوريين من العودة إلى بلادهم وإنما اتخاذ إجراءات صارمة من الجهات المعنية تضمن السلامة للسوريين المقيمين وللعائدين أيضاً.

سلامة العائدين من خلال توفير ظروف حجر مثالية في كل سوريا وليس في محافظات معينة، يعني لا يجوز أن يكون مركز حجر جيد وآخر سيء يجب أن تكون كل المراكز على نفس السوية وتؤمن الخصوصية لكل فرد عائد، فما الذي أدرانا أن الحالات التي شخصت خلال الساعات الماضية كانت تحمل الفيروس معها من الدول التي أتت منها ولم تتلقاه في مراكز الحجر الصحي التي ينتفي فيها قواعد التباعد الاجتماعي، إن شخصاً واحداً مصاباً بين العائدين ينقل الفيروس للعشرات عبر سلسلة العدوى من فرد لآخر، دون أن يدري، لذلك شروط الحجر الجيدة هي الضمان للسلامة، ولايمكن أن تخرج العدوى من مراكز الحجر إلا إذا كان هناك استهتار في التعامل معها وهنا لاتكون المشكلة بالعائدين بل بالحكومة، وبالتالي التنمر على العائدين ليس في مكانه.

كما أن الحديث عن استيراد الكورونا هو حديث قاصر إلى حد كبير، فمقياس الانتشار الدقيق للفيروس هو نسبة التحاليل التي تجرى يومياً ونحن في بلد قدرته على إجراء التحاليل لمواطنيه المقيمين محدوة بالمئات وليس عشرات الآلاف كغير دول، وبالتالي على كل مواطن أن يبقى محترزاً في أي محافظة كان فالحياة الطبيعية لم تعد بعد في الدول التي تمتلك أفضل أنظمة الصحة بالعالم، ويجب أن يبقي كل فرد متبعاً للاجراءات الاحترازية الشخصية لأن سوريا اقتصادياً غير قادرة على الاستمرار في شل الحركة.

اقرأ أيضاً: خالد القيش وتامر اسحق في الحجر الصحي… لا تنظيم لا تعقيم

هل تخلى العائدون عن وطنهم عندما كان بحاجتهم؟

بالحديث عن الاقتصاد نجد إجابةً واضحة عن هذا السؤال هل تخلى العائدون عن وطنهم عندما كان بحاجتهم؟ حيث تقول الدراسات العملية بما فيها الأممية إن السوريين المقيمين في الخارج هم أحد أهم دعامات الاقتصاد السوري، حيث يوجد في سوريا حالياً مايعرف باقتصاد الحوالات وهو أحد أهم ممولي سوريا بالعملة الأجنبية التي تساهم في تأمين احتياجات المواطنين، ولولا هذه المساهمة من المغتربين كان الوضع المعيشي في سوريا أسوأ بكثير مما هو عليه الآن، حيث يتم تمويل المستوردات من هذا القطع الأجنبي الوارد من المغتربين (مازوت، غاز، أدوية….إلخ).

اقرأ أيضاً: الصحوة الحكومية وخطر النكسة – بلال سليطين

بلغة الأرقام فإن السوريون في الخارج يحولون إلى بلادهم يومياً مايقارب 6 مليون دولار وهذا الرقم يتضاعف بالمناسبات (مثلاً نحن الآن في عيد الفطر)، وفق دراسة اقتصادية للبيانات الرسمية المتمثلة بالمجموعة الإحصائية 2017 التي نشرها المكتب المركزي للإحصاء، ويرى خبراء اقتصاديون أن الرقم أعلى من ذلك بكثير على اعتبار أن هناك سوق سوداء للحوالات واسعة الانتشار.
إذا ما نظرنا للأرقام التي توصلت لها الدراسة فإن مساهمة الحوالات الواردة من المغتربين تشكل نسبة 19% من الاقتصاد السوري، وهو رقم أعلى من مساهمة الصناعة السورية كلها والتي لا تزيد نسبتها عن 18%، وفق الدراسة الحكومية ذاتها.

احتكار الوطنية

عانى السوريون ويعانون من ثقافة الاحتكار في كل شيء، احتكار العمل السياسي، احتكار العمل المدني، احتكار الاقتصاد، احتكار السلع، واحتكار الوطنية…إلخ، وهم اليوم بأمس الحاجة لمواجهة ثقافة الاحتكار بالتعددية وقبول الآخر والانفتاح عليه والابتعاد عن الإقصاء والإلغاء والنظر إلى كل سوريا وليس إلى سوريا المجتزأة والسوريين المجتزأين، وليس بترسيخ هذه الثقافة التي دفعنا ثمنها غالياً.

اقرأ أيضاً: سوريا: مرحلة عصيان الهضم … بلال سليطين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع