النبيذ عبر تاريخ سورية _حسان يونس

تكليك النبيذ
تكليك النبيذ - انترنت

سوريا… الأرض الحبلى بالكرمة والنشوة والفرح وباحتفالات الربيع؟!

سناك سوري-  حسان يونس

تنتشر في هذه الأيام طقوس “الكلكي” التي تستعمل لاستخلاص “العرق” في مناطق عدة من سورية، والكلكي هي ما تبقى من إرثٍ عريق ساد في هذه المنطقة وبدأ منذ فجر الحضارة السومرية فكانت الإلهة “نينكاسي”، هي الإلهة السومرية المعنية بالخمر.
و في ملحمة جلجامش يتعرف رجل الغابة أنكيدو (رفيق جلجامش) على التمدن، عندما “يتناول الجعة سبع مرات، فتتحرر روحه، ويهتف بصوت عالٍ، ويمتلئ جسمه بحسن التكوين، ويشرق وجهه”.
وفي شريعة الملك حمورابي (1792 ـ 1750 ق.م)، ترد قوانين تفصيلية للخمر تنظم صناعتها وتوزيعها وطرق شربها، وقواعد لساقيات الخمر وبيوتهن، وعقوبات قاسية بحق من يغشها أو يخالف القوانين.
وللفينيقيين صلتهم الخاصة بالخمر، ذلك أنهم عندما استقروا في مدينة قرطاج شمال إفريقيا، زرعوا شجرة الكرمة، وصنعوا منها النبيذ. ومن قرطاج انتقلت الكرمة مع النبيذ إلى المستوطنات الفينيقية في إسبانيا، ومن ثم إلى فرنسا، وإلى كل أوروبا.

اقرأ أيضاً: سوريا التاريخية.. لا تحتقر إلهاً لا تعبده_ حسان يونس

وفي تقرير نشرته “ناشيونال جيوغرافيك” ، بعنوان “اكتشاف معصرة نبيذ تعود إلى 2600 قبل الميلاد في لبنان”، يوضح عالم الآثار في جامعة بنسلفانيا، “باتريك ماكغوفرن”، أنّ “النبيذ كان المشروب الرئيسي للتضحية لدى الفينيقيين”، وقد انتقل بعدها إلى اليهودية والمسيحية”. ويضيف أنّ “براك التل” وهو (موقع أثري جنوب صيدا، يحتوي أقدم معاصر نبيذ في الساحل الفينيقي) زوّدت سفينتين فينيقيّتين بمئات أمفورات (قوارير) النبيذ، وحطامهما موجودان قبالة عسقلان في فلسطين المحتلة. أي أن المتوسط لا يزال يحتضن عبوات الخمر الفينيقي الغريق.
وفي مدينة اللاذقية، ينتصب في إحدى الحدائق العامة نصب، يسمّى قوس النصر، وهو في الحقيقة معبد للإله باخوس، إله الخمر، وباخوس هو ديونيسيوس ابن الإله زيوس، وأمه هي ديمترا إلهة الخصب، وهو إله الخصب والنشوة لدى الإغريق / اليونان، الذي علّم المزارعين زراعة الكروم وعصره وتعتيقه ليصبح نبيذ وهو نظير الإله السوري أدونيس، وكانت تقام احتفالاته في الربيع من كل عام. وقد انتشرت عبادته في سوريا أثناء الفترة الهيلينية وحكم السلوقيين لها. وفقا لـ “مدونة تاريخ الأسطورة والأديان”

وفي رسائل ملك ماري الأهم والأخير، زمري ليم، (1782 ـ 1759 ق.م) إلى زوجته شبيتو، ترد أهمية الخمر كوسيلة لبناء علاقات تحالفات إقليمية كبرى، حيث يطلب ملك ماري من زوجته أن تتذوق النبيذ، الذي اختاره هدية لملك بابل، فالهدية لحمورابي ملك بابل العظيم ولا مجال للخطأ. كانت شيبتو ابنة ملك مملكة يمحاض (حلب) يا ريم ليم، وكانت ذواقة للخمر الذي يأتي إلى ماري من يمخاض (حلب) أو من كركميش (جرابلس). وكان ثمة عيد لعشتار في ماري، يدوم يومين، ويسيل النبيذ فيه متدفقاً، وفقا لبشار خليف في كتابه “مملكة ماري وفق أحدث الكشوفات الأثرية”، 2005 م.

اقرأ أيضاً: نزاعات داخلية.. أحداث من التاريخ تحاكي الواقع _ حسان يونس

ومن المفارقات المؤلمة أن المراكز الحضارية التي سادت في إدلب، الواقعة حالياً في أسر جبهة النصرة، هذه المراكز على اختلاف الحقب، سادت فيها زراعة العنب وصناعة الخمر وتداولته كسلعة تجارية مع الشرق والغرب، فقرية سرجيلا على سبيل المثال، وهي من القرى المنسية التي أبيدت في النزاع الساساني البيزنطي في النصف الثاني من القرن السادس وبداية السابع الميلادي، تقع في وسط جبل الزاوية، إلى الغرب من مدينة معرة النعمان، اعتمد سكانها بشكل أساسي على زراعة الأشجار وخاصة الزيتون والكرمة، وعلى تصنيع الزيت والنبيذ، كما تشهد على ذلك المعاصر المكتشفة في سرجيلا. حيث تصل أبعاد المعصرة الأكبر بينها إلى ١٥ × ١٠ م، وهي محفورة في جزءٍ كبيرٍ منها في الصخر بعمق أربعة أمتار. بالإضافة إلى العديد من المعاصر الأخرى المحفورة أيضاً في الصخر، وفي أماكن مختلفة من القرية، وبمقاييس صغيرة تستخدم لصناعة النبيذ. وفقاً لعالم الاثار الفرنسي “أوليفييه كالو” .
وفي مدينة البارة، (كابرو بيرا، حسب الصيغة الرومانية)، العائدة للحقبة الكلاسيكية (اليونانية والرومانية والبيزنطية) والواقعة حالياً في محافظة ‏إدلب‬ تنتشر كذلك معاصر النبيذ والزيتون بكثافة كبيرة، ومعظم البيوت لها أقبية مقسمة إلى ردهات صغيرة تستعمل لتخزين المؤن كما يوجد في بعض الأقبية معاصر للزيت أو النبيذ مازالت مكانها وتحمل إحدى هذه المعاصر فوق الفتحة التي ينزل منها النبيذ إلى طابق تحت الأرض كتابات باللاتينية تستشهد “بباخوس” “آلهة الخمر” ومنها (هذا الخمر اللذيذ الذي ترون عطاء من باخوس وهو ثمرة كرمة غذتها شمس دافئة)، وفي بيوت أخرى يشاهد العديد من النقوش ورسوم الأوراق ونباتات الكرمة واللبلاب.
وليس بعيدا عن سرجيلا والبارة تقع كفرنبل، المدينة القديمة والجميلة، في جبل الزاوية حيث اكتشفت الكثير من معاصر النبيذ والزيتون بين أشجارها.
فهل بإمكان أي كان أن يغطي هذا التاريخ بظلاميته ويفرض منطقه الظلامي على هذه الأرض الحبلى بالكرمة والنشوة والفرح وباحتفالات الربيع؟!.

اقرأ أيضاً: الاحتلال والتطبيع.. البقاء المرهون بالتناقضات- حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع