المثقفون واللاعنف – ناجي سعيد

ناجي سعيد

كُن أنت التغيير الذي تريده في العالم

سناك سوري-ناجي سعيد

بعد أن طلب منّي الصديق عمر أن أكون ضيفًا في حلقة من سلسلة حلقات ضمن نشاط ثقافي بادر بإنشائه على موقعه الإلكتروني “سوق الملح”، فكّرت طويلاً قبل أن أوافق. وأظنّ أن تفكيري كان منطقيًّا وهذا لا يدخل في مجال التذبذب والهروب لا سمح الله. فالموضوع الذي طلب مني التحدّث عنه هو “اللاعنف”. فباعتقادي أن الموضوع ليس من السهل الإحاطة به. ولو تنوي الحديث عن موضوع اللاعنف، يشبه ما يلي: “أن تطلب من أحدهم أن يأكل قطعة من قالب حلوى دائريّ الشكل، على أن يقطع القطعةً من زاويةٍ ليأكل؟.

وقد وافقت على الحديث عن الموضوع، لأنّ التركيز المطلوب في “المثال” أعلاه، يجب أن يكون على: “الطريقة” للحصول على قطعة الحلوى. فالتركيز على “الطريقة” يكون ضمن مسار عمليّة التفكير الإبداعي. فاستخدام الدماغ يعني التفكير في طريقة تجعل للدائرة “زوايا”. وهذه أول قاعدة يستخدمها اللاعنفي: تشغيل عقله. ببساطة لا يكون العقل سويًّا لو ارتكب شرورًا وسبّب الأذى لنفسه وللآخرين. فقد كانت زبدة الحديث عن اللاعنف، أن يكون الإنسان عقلانيًّا. التوازن مطلوب بين العقل والقلب. لأن فصل كل عضو عن الأخر (العقل والقلب) قد يودي بكارثة.

اقرأ أيضاً: توازن العقل والقلب للوصول إلى عالم لاعنفي – ناجي سعيد

القلب لوحده قد ينتج التهوّر، والعقل لوحده قد يصبح شرّيرًا فيرتكب الجرائم المنظّمة. التوازن بين العقل والقلب يدعم ركائز وأسس اللاعنف ويساعد بالطبع في بناء شخصيّة متّزنة عند الإنسان. مع أن غالبيّة الناس يستسهلون وصوليّة “ميكيافيللي”، من خلال مقولته الشهيرة في كتابه “الأمير”: الغاية تُبرّر الوسيلة. وقد كانت هذه المقدّمة بيني وبين نفسي. وكم كان سهلاً ما كنت توقّعته صعب التناول. فقد كانت حلقة النقاش التي قدّمتها في العالم الافتراضي، ممتعة من حيث التجاوب الرائع من نخبة من المشاركين متعدّدي الجنسيات والثقافات.. وما إلى هنالك. فالتنوع أغنى النقاش تخت مظلّة قبول الرأي الآخر وقبول الاختلاف.

وهذا مؤشّر على “لاعنفيّة” النقاش. فالموضوع الذي خضته، يتطلّب الاطّلاع على معلومات عن تاريخ اللاعنف (تجارب شعوب/ شخصيّات وأعلام/ ثورات ونضالات..). وقد استغرق تحضيري للموضوع ثلاثة أيام، وهذا بالطبع بعد موافقتي التي لا مفرّ منها. فالجانب الذي يدركه الآخرون عن هوّيتي، هي اعتناقي اللاعنف، والتي أعلنها حين أُسأل عنها: أنا لاعنفي. وما أود أن اتحدّث عنه بعد هذه الحلقة، وهذا فاجأني بالفعل، جهل تربوي لاعنفي لدى بعض الناس. ولكي أكون مُنصفًا وعادلاً في حكمي- غير المُسبق طبعًا- فهذا ليس جهلاً لاعنفيًّا، بل غياب الثقة بالذات. والأحرى، الهروب من الذات الطبيعة. وأذكر مصطلحين من ابتكار د. وليد صليبي (أستاذ فلسفة اللاعنف -أونور) بأن هناك أنا أصيلة، وانا بديلة أو رديفة، والبديلة تأتي كتعويض لقصور الأنا الأصيلة.

لذا أود أن أقول لكلّ المُثقّفين الذين شاركوا وأغنوا النقاش اللاعنفي (اللاعنف فلسفة أم استراتيجيا)، كما قال الفيلسوف سقراط: اعرف نفسك بنفسك. فبساطة هذه الجملة بكلماتها الثلاث، تفتح المدى لنظريّة تربوي صائبة، هي الأساس الذي يساهم في بناء دولة. والبعد التربوي في هذه المقولة الفلسفيّة، يُفصح عن نظريّة التعلّم المرتكز على إرادة الذات لخوض التعلّم والاستكشاف، بعيدًا عن التعليم التقليدي (على وزن التلقين) الذي يسبّب خمول الدماغ، وكسله الذي لا يؤلم المرء إن تعطّل، بل يؤلم المجتمع برمّته.

ونختم بمقول غاندي، التي اعتبرها مفتاح إرادة الوصول إلى اللاعنف: “كُن أنت التغيير الذي تريده في العالم”.

اقرأ أيضاً: التضامن اللاعنفي.. ابتسامات المعتقلين تُضعف المُحتلين – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع