الله يحاسب الجميع – ناجي سعيد

ناجي سعيد

مع تقديري الكامل للكلب.. هل أعضّ كلبًا عضّني؟!

سناك سوري-ناجي سعيد

صفعة المواطن الشاب للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ملأت الدنيا وشَغَلَت الناس. فقد ضجّت وسائل الإعلام الغربية والعربيّة بهذا الخبر. وما شَغلني أنا بوصفي مؤمن باللاعنف، البحث في السؤال المُتوقّع من الأصدقاء الذين يتربّصون لي ويتحيّنوا الفرصة ليجادلوني: هل الصفعة عنف أم لاعنف؟.

ولو كانت الإجابة نعم، مع افتراضنا أنّ الاعتراض والاحتجاج مشروع للمواطن لمواجهة رئيسه، فما هي طُرق المحاسبة اللاعنفيّة؟ ولكي أخوض النقاش، سأردّ السؤال إلى سائلي: ما الجملة الشهيرة التي سمعتها كنصيحة توجيهيّة من والديك في أوّل يوم مدرسة؟ هل تذكرها؟ وإن لم تسمعها من والديك ألم تسمع أحد أصدقائك وهو يقولها لك بكلّ فخر: قالولي أمّي وبيّي اللي بيضربك ضربو!!؟.

ومن المؤكّد بأن من صفَعَ ماكرون نصحه والداه هذه النصيحة، لكنّ مع فارق مواطني، تربّى عليه، بأن من يخالف أو يُقصّر بإعطائك حقوقك: اصفعه!!! في التربية التقليدية، يتمسّك الطاقم التعليمي بماضيه التربوي التعنيفي، والذي يُنتج بدوره تمييزًا وعنفًا، تعتبره الأجيال ثابتة تربوية ولا يمكن تغييرها. فالتمييز طبقي حيث يأتي من ألقاب يتمسّك بها كُلّ من يدخل السلك التعليمي.

اقرأ أيضاً: الوساطة في اللاعنف… خيار ماقبل القضاء والمحاكم – ناجي سعيد

أوّلاً: أن المُسمّى الوظيفي لمن يَمْتهن التعليم، هو “مُربّي”، إذًا هي “تربية” وليست تعليمًا، وفي التربية الحديثة، سيُدعى المُصطلح: تَعلُّم وليس تعليم، فـ “تعليم” على وزن “تلقين” تمنع المُحاسبة، فهي من طرف واحد لا يُخطئ! والمثل القديم يوضح ذلك الزمن البائد: اللحمات إلك والعضمات إلنا!! كان الأهل يفتخرون بهذا الطلب في مقابلتهم الأولى لمُعلّم ابنهم الذكر فقط (غير وارد إرسال الابنة إلى المدرسة). هل كان الأهل يُدركون فظاعة عملهم هذا؟ وما انعكاس هذا على الطفل تربويًّا؟ من الممكن أن ينمو الطفل وباعتقاده أنّه من الطبيعي أن يسمح للأقوى منه استغلاله، وحين يُصبح هو بموقع القوّة، يبدأ باستغلال غيره. دون مراقبة ومحاسبة! ومن يظنّ بأن الفوضى ستعمّ العالم دون هذا العنف أو العقاب التقليدي بِحجّة ردع المُذنب، فهو مُخطئ.

ثانيًا: في التربية لا يوجد ما يُسمّى عقاب، فالعقاب إلغائي ويُعنّف المُخطئ، بينما تربويًّا توجد مُحاسبة وهي أن يتحمّل المُخطئ “عواقب” سلوكه، فيأخذ فرصةً لمعالجة خطأ سلوكه. وهذا يحدُث دون تسبّب الأذى لا لنفسه ولا للآخرين. نعم فالمحاسبة كمفهوم، يفقد قيمته حين يلبس لباسًا عنيفًا! وقد سُأل حكيم: لماذا لا تنتقم من الذين يُسيئون لك؟ فردّ ضاحكًا: وهل أعضّ كلبًا عضّني! ومع اعتذاري على هذا المثل وتقديري الكامل للكلب، فهو حيوان أليف لا يؤذِ إلاّ من يؤذيه. لكن الخوف هو المُحرّك “لافتراض مُسبق” بأن الآخر سُيقدم على أذيتي فأُباغته بأذىً مُسبق. وقد ذكرت الخوف هنا، لأنّ من يجرؤ على ممارسة حقّه بالمحاسبة، بالتأكيد هو من طردَ الخوفَ من داخله. ولا أتخيّل أن الشاب الذي صفع رئيسه هو ذلك الخائف من مواجهة الموقف.

وقد سأل كثيرون ما ردّة فعل الجهاز الأمني المُكلّف بحماية الرئيس؟ برأيي الشخصي فإنّ دولة عُظمى مثل فرنسا، لا تعتبر هذا سلوكا غريبا، فمن الحقوق المواطنيّة أن يحاسب أي شخص رئيسه ويسائله، ولكنّ ضمن حدود احترام المساحة الشخصيّة الآمنة بعيدًا عن انتهاك حقوق الأمان لكلّ شخص “بالصفعة”. لقد كان ردّ غاندي على المواطن الهندي الغاضب الذي سأله: وهل نسكت عندما يضربنا الجيش الإنكليزي؟ – كلا لا نسكت بالطبع، سنردّ ولكن كيف؟ يجب ان نُفكّر بطريقة مناسبة فلا نغرق بالعنف معهم، فالعنف يُولّد العنف.

اقرأ أيضاً: اللاعنفي ليس سوبرمان من كوكب كريبتون – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع