اللجنة الدستورية السورية: قارب نجاة وغرق

دمشق - انترنت

اللجنة أول منتج ملموس… تحديات التعريف والتفسير.. القواعد الإجرائية والشفافية…”الشرعية”

سناك سوري – بلال سليطين

لم تأتِ نشرة الأخبار الرئيسية للتلفزيون الرسمي السوري على ذكر الجزء المتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية من بيان رؤساء الدول الضامنة “أمس”، بينما لم تذكر وكالة الأنباء الرسمية سانا أنه تم الاتفاق على تشكيل اللجنة وقالت حرفياً “الرؤساء عبروا عن الارتياح حيال جهود تشكيل لجنة مناقشة الدستور”.
على الجانب الآخر ذكرت وكالة الأناضول التركية وتلفزيون روسيا اليوم نفس الفقرة من البيان الختامي لكن بصياغة مختلفة تماماً عن سانا وقالا:” القادة أعربوا كذلك عن رضاهم عن انتهاء عملية تشكيل اللجنة الدستورية بشكل ناجح”.
“نصر الحريري” رئيس الهيئة العليا للتفاوض المعارضة قال إن هناك تقدم نوعي لكن علينا ألا نذهب بعيداً في هذا التقدم، فتشكيل اللجنة يأتي بعد سنتين من العمل عليها، واصفاً مرحلة تشكيلها بالصراع في أول تصريح صحفي له بعد إعلان البيان.
الأمم المتحدة بدورها لم تعلق بعد على التشكيل، على اعتبار أنها الجهة التي سوف تستلم التشكيلة وتتولى تسيير أعمالها عبر المبعوث الخاص بسوريا “جير بيدرسون “، علماً أن البيان أرجع اللجنة الدستورية لمؤتمر الحوار السوري في “سوتشي” وليس للقرار 2254 و للعملية السياسية في جنيف، وإن كان أناط بالمبعوث الأممي مهمة التوصل لاتفاق بين الأطراف السورية حول آلية عملها.
لا تبعث المعطيات السابقة بكثير من التفاؤل في مسار اللجنة الدستورية ولا حتى في انطلاق عملها، فهي خاضعة على مايبدو قبل أن تبدأ لتفسيرات مختلفة، والأطراف المعنية بها لديها إرادات مختلفة حول عملها وخلفيتها ودورها.

اقرأ أيضاً: سناك سوري ينفرد في نقل كلمات السوريين المتحدثين في مؤتمر سوتشي “محدث”

تعريف اللجنة

يتجلى عدم وضوح عمل اللجنة الدستورية في توصيفها بالدرجة الأولى، فتقول الحكومة السورية إنها لجنة مناقشة الدستور، بينما تقول المعارضة إنها لجنة صياغة الدستور، بينما ترجعها الدول الضامنة لمؤتمر سوتشي، ترجعها الأمم المتحدة للمسار الأممي 2254، وفي ظل هذا وذاك يبدو الموقف الأميركي والأوروبي ضبابياً منها رغم أهميته في إعطائها الحامل الدولي المطلوب لجعل نجاح عملها منعكساً على باقي المسارات “إعادة الإعمار، عودة اللاجئين ..إلخ”.
وربما يتضح الموقف الأميركي الأوروبي بعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنعقد في 23 الشهر الجاري، وستتخلل لقاءات دبلوماسية ثنائية، وربما تعلن الأمم المتحدة عن إطلاق اللجنة بعد اجتماعات الجمعية.

اقرأ أيضاً: اللجنة الدستورية اكتملت..احتجاجات في “حلب”..”البغدادي” يدعو لمهاجمة المخيمات..أبرز أحداث اليوم

تحول نوعي

شئنا أم أبينا فإن الإعلان عن التوافق على تشكيل اللجنة الدستورية يعد نقطة تحول نوعية في مسار الأزمة السورية، على اعتبار أنها أول منتج ملموس في العملية السياسية السورية وأول توافق على قائمة بين الأطراف السورية والدول الضامنة والأمم المتحدة.
ومالم يتبرأ منها أي طرف، فإنها بذلك تأخذ شكلاً شرعياً مبدئياً وإن كان النقاش على شرعيتها مازال مطروحاً على الطاولة، ومن الممكن العودة إلى موضوع الشرعية في أي وقت من قبل أي طرف ليعطل عملها، وبالتالي يصبح من الضروري حسم الشرعية من الآن.

الاجتماعات

اللجنة وفق مختلف المعطيات سوف تجتمع في جنيف بدايةً ومن هناك سوف يتم إطلاق عملها، وهو أمر مثار جدل حتى الآن فهناك من يقول إن إطلاق عملها من جنيف ضروري لربطها بالمسار الأممي 2254، وهناك من يقول إنه يمكن إطلاق عملها من سوريا وربطها بالمسار 2254 مالذي يمنع ذلك.
اجتماع اللجنة في سوريا يعد ضرورة حتمية لناحية أنها “متعلقة بدستور سوريا”، وكذلك للتحقق من جدية هذا المسار، لكي تجتمع في داخل سوريا يجب أن توفر لها الاستقلالية الكاملة عن أي ضغوط داخلية وخارجية أيضاً وأن يتاح لكل أعضائها الدخول إلى سوريا دون أي عوائق والعمل المشترك.
ولكي نكون منطقيين إن لجنة متعلقة بدستور سوريا لا تستطيع الاجتماع في سوريا في بيئة مستقلة ومن دون ضغوط، فإنها لجنة لا يُعتدّ بها ولا ينتظر منها أن تقنع السوريين بعملها ولا أن تحقق أي تقدم في مسار الحل السياسي لأزمة البلاد.

اقرأ أيضاً: الشفافية التي نحتاج تطبيقها – بلال سليطين

الشفافية

تعد شفافية عمل اللجنة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه عملها، ومن أهم المحددات لها، فالشفافية ضرورة منهجية لكي يكون السوريون على اطّلاع تام بما يتم النقاش حوله، كيفية النقاش، المحددات والأطر العامة، إطلاع المواطنين على بعض المواد والاستئناس برأيهم عبر مساحة إلكترونية رسمية وعلنية.
ويكون هنا من الضروري وجود لجنة إعلامية تعمل كصلة وصل بين اللجنة والمواطنين السوريين ووسائل الإعلام، وتنقل المجريات وتعكس العمل، وتضع الأمور في سياقها الإعلامي فقط وتجيب على الأسئلة…إلخ.
إن الشعب بحاجة أن يعرف ماذا تفعل اللجنة رغم حساسية ذلك، واللجنة بحاجة أن تعرف ما يريده الشعب منها بخلافاته واختلافات مواقفه …إلخ.

القواعد الإجرائية

لايجوز لأي جهة وضع قواعد إجرائية لعمل اللجنة بشكل مسبق، واللجنة هي الجهة المخولة لوضع القواعد الإجرائية لعملها بشكل يحفظ مساحة كل الأطراف فيها، والحديث عن القواعد الإجرائية من قبل بعض الأطراف قبل تشكيل اللجنة لم يكن موفقاً، فهذا حديث مابعد التشكيل ويجب أن يُقرّ بجدول زمني محدد وثابت في أول اجتماع للجنة حفاظاً على الخصوصية والاستقلالية والملكية السورية لها.

طبعاً هناك أسئلة عديدة حول القواعد الإجرائية، كيفية اتخاذ القرار، المدة الزمنية لعمل اللجنة هل هي محددة أم مفتوحة مع مخاطر بقائها مفتوحة، كيف يتم التعامل مع مخرجاتها، هل بالاستفتاء الشعبي أم ماذا؟، علاقة أعضائها مع مرجعياتهم التي سمتهم..إلخ من أسئلة جوهرية وتحتاج إجابات سريعة.

كما أن السؤال الذي يبحث عن إجابة كيف سيتم اختيار الـ 50 شخصية من بين 150 المناط بهم بشكل أساسي العمل، هل سينتخبون انتخاباً أم سيتم تعيينهم تعييناً من قبل الجهات التي سمتهم!.

اقرأ أيضاً:“بيدرسون” يسعى لتمثيل نسائي أكبر في اللجنة الدستورية!

الحامل الشعبي

لايمكن لأي جهة في العالم تتبنى اللجنة أن تلغي الحامل الشعبي لعملها ومخرجاتها، فالشعب بالنهاية هو المعني بمخرجاتها وهو من سيتبنى أو يعطل ماتصل إليه هذه اللجنة، وإذا ماكنا واقعيين فالاهتمام باللجنة حتى الآن لايبدو جيداً على الصعيد الشعبي، ولا ينظر لها بكثير من الأهمية، حتى أن كثيرين لم يسمعوا بها حتى ولا تعنيهم، خصوصاً وأنها استهلكت عامين لتشكيلها ماجعل الثقة بها مهزوزة مسبقاً، وبالتالي فإن مسؤولية اللجنة أن تكسب ثقة الشعب وكذلك مسؤولية الأطراف المعنية مساعدتها على كسب هذه الثقة إذا ما أرادت إنجاحها.

خاتمة

يمكن القول أن هذه اللجنة بمثابة قارب للنجاة والغرق في آن معاً، فإما يساعد مسارها في الوصول إلى نهايات للأزمة السورية والعنف الدائر بالبلاد منذ سنوات، أو تغرقنا في وحل فقدان الثقة واللا أمل واللا توافق، في وحل العنف والتشرذم وتبقي الباب مفتوحاً للتدخل الخارجي ووإلخ، ونجاحها يعكس الإرادة بالوصول إلى الحل عند كل الأطراف وفشلها يعكس إرادة اللاحل عند كل الأطراف.

اقرأ أيضاً:مؤتمر بروكسل يعتمد كلمة المجتمع المدني السوري كوثيقة رسمية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع