اللايك والشعبية وثقة القيادة وآلية التفكير

سناك سوري – بلال سليطين

بلا أدنى شك فإن اللايكات على فيس بوك هي أحد مؤشرات “قياس الشعبية”، ولكن هذا لايعني أن كل جامع لايكات يستحق هذه الشعبية، وإنما هنا نحن نشير فقط لارتباط اللايك بإعجاب المُليكين بما يقرؤونه أو يطلعون عليه.
وأي شخص يعمل بالشأن العام فهو يبحث عن الشعبية لأنها الأداة الرئيسية لاستمراره أو الحامل له سواء في البرلمان أو المجلس المحلي أو حتى بجمعية تُعنى بالشأن العام لحي معين، وحصد اللايكات على فيس بوك في عصرنا هذا هو من اهتمامات الباحثين عن الشعبية وقيادة الرأي العام أو القبول المجتمعي، خصوصاً في مجتمعاتنا التي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض عديدة (سياسية، استعراضية.. وغيرها من الأمور التي آخرها التواصل الاجتماعي).
مناسبة هذا الحديث هي اتهامات بعض النواب في مجلس الشعب السوري لزميل لهم بأنه يسعى لجمع اللايكات على “فيسبوك”، وبعيداً عن ماتحمله هذه الاتهامات من استهزاء بواضعي اللايكات للنائب وتقليلٍ لقيمة “لايكاتهم” وما تعبر عنه من موقف، فإنها تدفعنا لوضع بعض الأسئلة حول آلية التفكير والخلفية التي قد تدفع نائباً للاستنكار على زميله رغبته في جمع (المؤيدين) أو (المريدين).

آلية تحول المواطن لـ شخصية عامة

هناك عدة طرق لكي يصبح المواطن شخصية عامة، أبرزها طريقتان، الأولى أن تدعمك السلطة وبالتالي تحولك إلى شخصية عامة وهو ما يسمى في سوريا “ثقة القيادة”، أو أن تحفر إسمك بين الناس وتجمعهم من حولك لكي يكونوا رافعة لك كما يحدث في العديد من دول العالم التي نعرفها، وفي سوريا هناك ظاهرة بين الاثنتين وهي أن تأتي بك “ثقة القيادة” وتستمر في جمع الناس من حولك وبالتالي تكون شخصية عامة مهتمة بجمع الناس من حولها أو بقبول الناس لها وربما تعمل على تبني مشروع فكري أو تقود الرأي العام ..إلخ.

آلية تفكير

في حالة سوريا تبدو المشكلة أبعد بكثير من تحول الإنسان من مواطن (عادي) إلى (مسؤول، نائب، ناشط شأن عام.. تاجر كبير ..إلخ) فهي مشكلة في آلية تفكير فرضتها طريقة التحول أو الوصول على مدى عقود طويلة ما أدى إلى تكريس حالة قد تكون نادرة من نوعها في النظر إلى دور الشعب أو الناس أو الناخبين (سموهم ما شئتم) في تحول الإنسان إلى مرحلة المواطن (غير العادي) أو (المسؤول).
تتوضح آلية التفكير هذه بشكل لالبس فيه من خلال قضية رئيس الاتحاد الرياضي العام في سوريا، والذي يرفض الاستقالة رغم مطالبات ودعوات الجمهور والرياضيين في سوريا والتي تُقدر بعشرات الآلاف، الرجل لايُلام فهؤلاء ليس لهم أي دور في وصوله إلى الكرسي، وعلاقته معهم ليست نهائياً علاقة مُنتَخَب وناخب، فهو جاء بالتعيين أو جاء بقرار، ومن الطبيعي أن يرى شرعيته عند من جاء به لاعند (الجماهير)، هذا نتيجة طبيعية وحتمية لمسار طويل طبَّع البلاد كلها بِطباع قد لايراها المواطن في بلد آخر من العالم.

العودة إلى الناس

جاء في الدستور السوري 2012 والمعمول به حالياً وتحديداً في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثانية أن “السيادة للشعب.. وأن الشعب يمارس هذه السيادة ضمن الأشكال المحددة في الدستور”، وهذه المادة يمكن اعتمادها كمرجع للقول إن المشكلة ليست بالنص وإنما بآلية التفكير التي فُرِضَت على عقولنا وترجمناها في سلوك كثيراً مايكون لاشعوري (رح نفترض حسن نية جميع المسؤولين).

اقرأ أيضاً صناعة الوهم الحرب مستمرة – بلال سليطين

آلية التفكير هذه جعلت المسؤول لايفكر في الناس ولا يبحث عن رضاهم، جعلت بعض المسؤولين تعتبر “جمع اللايكات” (حشد الناس) على مواقع التواصل الاجتماعي عمل لن أقول غير وطني وإنما (غير مشروع) بينما هو في صلب دور من ينشط ويعمل في الشأن العام، بعض المسؤولين يمكن القول إنهم بدأوا يتلمسون رؤوسهم بإرادتهم أو بتوجيهات حيث نجدهم يتفاعلون مع ما يشغل الرأي العام على فيسبوك ويستجيبون لمطالب الناس، وهذا لايعني أن المسؤول يجب أن يستجيب لكل مطالب الناس فهناك مطالب لايجوز الاستجابة لها أو لايمكن وليس هناك مساحة لاستعراضها الآن كأمثلة.
إن أسهل طريقة لارتكاب المسؤولين في السلطات الأخطاء هي أن لايكون الشعب رافعتهم، والشعب يبدأ من الطفل وصولاً إلى الموظفين في نفس الدائرة التي يعملون بها، فإن قناعتهم بأن لاسلطة للشعب عليهم تجعل من سلوكهم في معظم الأحيان سلوكاً بلا رقابة وبعيد عن الناس وووإلخ.. ولنا في ما وصلنا إليه على أرض الواقع الحقيقي في سوريا خير مثال.
عندما يُنظر للايك السوري (نقصد هنا اللايك كأسلوب تعبير وليس كمؤشر وحيد) باحترام ويتم تحليله وفهمه، والسعي لمعرف توجهات واتجاهات الرأي العام أو (لايكاته) وقتها تكون آلية التفكير قد تغيرت وإلى ذلك الحين سنبقى أمام ظاهرة المناصب “تشريف لا تكليف”.

اقرأ أيضاً الشفافية التي نحتاج تطبيقها – بلال سليطين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع