الغضب الإيجابي – أيهم محمود

أيهم محمود

 اغضب فهذا الشرق يحتاج إلى الكثير من الغضب المفيد..

سناك سوري – أيهم محمود

الغضب تلك الكلمة التي نحتار في ثقافتنا: هل نذمها أم نمدحها ونفتخر بها، رد الفعل الذي يساوي الفعل عندما يدفعنا العدو إلى الغضب، الرد الذي يحفظ  الكرامة والذي يحفظ صورتنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين، قد يبدو الرد ذكياً غير متسرع، قد يروي العنف ظمأ نفوسنا التوّاقة إلى التوازن في أزمنة الضعف وأزمنة الخيبات، في أزمنةٍ البحث عن هوية يفرضها علينا إيقاع الآخر وتصرفاته.

حين نغضب ونرد على الخطوة بخطوة تتشكل حبال خفية تنتهي إلى أصابع من يثير الغضب في نفسنا، سينتهي المطاف بنا إلى الظن أن الغضب رد مكتمل الأركان وليس حبلاً يغلظ ملتفاً حولنا، حين يتوقع الآخر ردة فعلنا يبرع في إثارة ما يريد في أنفسنا، في الوقت الذي يريد وفي الوقت الذي يرغب.

اقرأ أيضاً: هروب المجتمعات من ضميرها _ أيهم محمود

الغضب ضياع الوقت في الترقب والانتظار، في انتظار الفعل للبحث عن ردٍ له، تصبح حياتنا انتظاراً لفعل الآخر بدل استثمار الوقت في تشكيل هويتنا الذاتية، في تشكيل حالة لا يستطيع الخصم إدراكها وإدراك ممكناتها وبالتالي تحويل الانتظار والترقب من ساحتنا إلى ساحته، هناك فرقٌ جليٌّ وواضح بين استغلال طاقة الغضب كدافع إلى الابداع والابتكار وتغيير الحال وبين صرف الطاقة في قنوات التوازن مع الآخرين دون قلبٍ لحدود المعادلات القائمة التي تحكم علاقاتنا بهم.

في الغضب الإيجابي أنا لاعب شطرنج أقبل بخسارة القطع الصغيرة وأحياناً الكبيرة فعيني تتجه مباشرةً لرأس الملك وأما الطريق إلى تحقيق هذا الهدف مبهمٌ أمام الخصم، في الغضب السلبي جندي بجندي وحصان بحصان وقلعة بقلعة والهدف النهائي غائب في نزيف اللحظة وفي نزيف البحث عن انتصارٍ آني بدل الانتصار النهائي، صراع العقول والقلوب، صراع الانفعال المباشر مع الوعي العميق والتخطيط الذي قد يتجاوز عمر الفرد ليصل حدود عمر المجتمعات وعمر النوع البشري.

اقرأ أيضاً: معدل التقنين والعقاب الجماعي- أيهم محمود

في الغضب الإيجابي أهدافي مستقلة، هويتي مستقلة، والهدف الرئيس بناء الذات وأما الانتصارات الآنية أو النهائية فهي نتائج ثانوية لعملية بناء الذات ولعملية نموها المتزن -النمو العلمي والنمو الاقتصادي والنمو الصحي السليم -، الانتصار ثقافة بناء مستمر، ثقافة إبداع ، ثقافة دفع القلق المباشر من تحركات الخصوم وتأسيس حالة تطور دائم، من يسود العالم الإنساني والحيواني هو الأكفأ في شغل الفراغ بكل أبعاده بدل الاكتفاء بالسير في محور واحد، لا ينفصل  الانتصار العلمي والاقتصادي عن الانتصارات السياسية والعسكرية بل نستطيع الجزم وبدقة كبيرة تبعية هذين الأخيرين للانتصار الثقافي الشامل، انتصار الوعي على الخوف، انتصار الأهداف النهائية على الغرق في دوامة الأهداف الجزئية التي تضيع في خضم الصراع لتصبح بلا بوصلة وبلا توجيه.

الغضب الإيجابي يختلف عن التبلد السلبي الذي تتساوى فيه الاتجاهات والذي يقودنا إلى حالة انتظارِ فعلٍ لا يأتي، فعلٍ سحري كمعجزة يقلب حالنا من ضعفٍ إلى قوةٍ وانتصار، التبلد السلبي هو أن لا نرد، ولا نرد، ولا نرد، دون أن نحرك ساكناً في بناء هويتنا العلمية والثقافية، التبلد السلبي هو ما يسميه البعض خطأً: ‘التروي والحلم!”، لم يكن الانتظار يوماً حكمة بل فعل عجزٍ يتفاقم يوماً بعد يوم، اغضب فالغضب طاقة تدفعنا إلى مواصلة السير حين نشعر بالتعب، اغضب حين تجد كتاباً إلى جانبك وأنت تشتكي من الضجر!، اغضب حين تستسلم للأجوبة الجاهزة بدل البحث عن الأسئلة المقلقة لراحتك ووجودك، اغضب فهذا الشرق يحتاج إلى الكثير من الغضب المفيد، إلى الغضب نقيض العنف الذي لم يصل بمجتمعاتنا إلى أي مكان، اغضب فحياتنا ومستقبل وجودنا يحتاج هذا الغضب ويستحقه.

اقرأ أيضاً: العبودية والتحرر الواقعي- أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع