العجز.. ونصف موقف! – أيهم محمود

أيهم محمود

لقد بدأت الشعارات الكبيرة التي نطرحها تخجل منّا

سناك سوري- أيهم محمود

في كل مرة أذهب فيها إلى السجلات المدنية للحصول منها على إحدى وثائقها أشعر بالاختناق وأنا أستحضر ذاكرتي التي شعرتْ بقدوم العاصفة قبل وقوعها والتي تشعر الآن باستمراريتها وإمكانية بقائها لعقودٍ قادمة إن بقي العجز العام حاضراً في اتفاق الجميع على الصمت عنه.

أشعر بالاختناق في كل مرة أحاول فيها أن أفهم وأستوعب سبب تغيير منطقة الخانة من “شيخضاهر إسلام” إلى “شيخضاهر” دون أي لاحقة دينية أو مذهبية ثم العودة وعلى مدى أعوام طويلة إلى كتابة اسم الدين أو المذهب ووضع كلمة سابقاً وراءها، أهو الندم؟.أم لتذكير من اقترحوا تغييرها أن من يكتب كلمة “سابقاً” هو من له القوة الفعلية على الأرض وهو مستمرٌ في حربه حتى آخر قطرة أمل وآخر فرصة لبقاء مجتمعنا على قيد الحضارة وقيد الحياة في عصر اندماج أممٍ بأكملها بينما نحن نسير عكس التاريخ باتجاه تفريق الأحياء والأزقة والزواريب.

اقرأ أيضاً: العجز وثقافة الإنكار- أيهم محمود

ليست المشكلة في الاسم “شيخضاهر” ولا المشكلة قائمة في “شيخضاهر اسلام” حتماً بل المشكلة -كل المشكلة- في ذلك العجز المستمر لسنوات طويلة عن اتخاذ قرار نهائي سواء بتثبيت الأولى أو الندم على اقتراحها والعودة إلى الأصل، إلى بداية المحاولة، المشكلة في نصف الموقف وفي تثبيت حالة العجز عن اتخاذ قرار بل وفوق العجز تذكيرٌ دائمٌ به، فهنا لدينا التباهي به في أوضح أشكاله لم تعد “فاستتروا” محبذةً في زمن اللاموقف وفي زمن اللاقرار، كلمة “سابقاً” هي الصفعة التي لا تؤثر في الأموات مهما تكرر حدوثها فلا أحد يراها في زمن الصراخ وفي زمن الضجيج الذاتي والعام، الكل يبحث عن جذور أزماته في غير موضعها، الأحزاب السياسية تبحث إما عن تثبيت حصتها من الكعكة أو زيادتها أو تحاول الحصول على حصةٍ فاتتها أثناء غيابها عن الاقتسام السابق، القوى المجتمعية غارقة في تصفية الحسابات القديمة للأزقة والحارات، محصلة الشد من كل الاتجاهات صفر، محصلة كل الجهود غير المنسقة صفر لذلك نتعفن في مكاننا دون أي حركة سلباً كانت أم إيجاباً، الكل متفق على الصمت والبحث عن قضايا سطحية سهلة لكي لا يتورط في التغيير طويل المدى وفي دفع فاتورته الباهظة لذلك تبقى كلمة “سابقاً” تنخر في أجسادنا وتقلع عيون جميع القوى السياسية والاجتماعية بمخرزها ومع ذلك يتفق الجميع دون أي استثناء لأحد منهم على عدم رؤيتها وتجاهلها وتجاهل مصدرها وتجاهل دلالاتها العميقة، دلالة العجز الذي وصلنا إليه.

اقرأ أيضاً: الغضب الإيجابي _ أيهم محمود

الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل الصغيرة التي نتجاهلها، لقد بدأت الشعارات الكبيرة التي نطرحها تخجل منّا فهي لم تعد قادرةً على تغطية عوراتنا، صراعنا صراخٌ لا معنى له وخاصة حين تسمعه عبر البحار ممن يؤيدون التسمية الأولى أو الثانية لكنهم جميعاً متفقون على عدم العودة إلى هنا واختبار نتائج خياراتهم، هناك يكملون الاستمتاع بثقافتنا التي نعيشها كمجتمع استنقع كله في فن التقية، نشتم الغرب علناً ونلهث وراء السكن فيه، نختار الماضي لبلادنا ومن تبقى فيها ونهرب نحن بعيداً عن جحيم ما اخترناه.

“سابقاً” هي جرحٌ ثقافيٌ لا يندمل، جرحٌ أكبر من السياسة وأكبر من كل جهودنا وأمنياتنا وشعاراتنا، هو شدٌ لا محصلة له، هو طوق مشنقة يعصر على رقبتنا يوماً وراء يوم، العجز عن الفعل، العجز عن اتخاذ قرار، العجز الذي يبدو كل هذا الكلام أمامه باهتاً فهو يستحق أشد منه علّ القلوب ترى ما لا تراه العقول.

اقرأ أيضاً: أمام الطوابير.. أقترفُ جريمة الأمل _ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع