العبودية والتحرر الواقعي- أيهم محمود

أيهم محمود

“أنا حر يا زوربا؟ كلا لست حراً، كل ما في الأمر أن الحبل المربوط في عنقك أطول من حبال الآخرين”..نيكوس كازانتزاكيس.

سناك سوري – أيهم محمود

لم يتغير نظام العبودية إنما تغيرت صياغته، لا يتسامح السيد مع تمرد العبد حتى لو ضحى الأخير بحياته في سبيل إنقاذ سيده فالقضية هنا ليست قضيةً شخصية يمكن للسيد أن يسامح بها بل قضية نظام الرق بأكمله.

إن سامحه لدينٍ له في رقبته ساواه بالبشر وحرّض فيه الأمل، والعبيد يجب أن يحيوا دائماً بلا أمل كي لا ينْقِضُوا نظام الاستغلال الواقع عليهم، إن سامح السيد عبده لن يسامحه نظام الرق فالفرد هنا لا معنى له حتى إن كان سيداً، وحده العبد يظن أن سيده إله فيتذلل له على أمل التميز عن أقرانه إلى أن يرتكب خطيئة ظنّه مميزاً عن غيره من العبيد فيشدون الحبل ليذكروه بما تخلى عنه من هويةٍ ومن وعي.

الحبلُ الذي يظن الكثير من البشر المعاصرين أنه غير موجود لأنهم لا يتحركون إلا وفق القواعد، لقد أدمنوا قواعد العبودية إلى درجة أنهم لا يفكرون في الخروج على أوامر السيد، يظنون أنفسهم أحراراً، يظنون أنفسهم أصحاب قرار.

الحرية لا تبدأ بالتمرد، الحرية تبدأ بالوعي، تبدأ بإدراك قوة الطوق وطول الحبل، تبدأ بإدراك واقع العبودية ومفاهيمه وقواعده، تبدأ بإدراك أن السيد مجرد حلقة من حلقاته وهو أحد خدامه، هو مجرد أداةٍ من أدواته وليس الآمر الناهي فيه، يوجد فرقٌ هائل بين ثقافة التذلل وبين ثقافة الصبر على الابتلاء والعمل الواعي في حدود الواقع وإمكاناته لإحدث تغيرٍ ثقافي تدريجي مستدام بدل ثقافة الانتقال من سيدٍ إلى آخر على أمل تحسن الحال.

اقرأ أيضاً: هروب المجتمعات من ضميرها _ أيهم محمود

لا ينظر السيد إلى العبد بعين الرضا إلا اذا استسلم كلياً لإرادته، حتى الاحتجاج البسيط يصبح خرقاً خطيراً لصك  العبودية غير المعلن بين الطرفين، في هذا العقد يتخلى أحد الأطراف عن هويته الذاتية كلياً بينما يخدم الثاني النظام العام عن طريق التخلي عن إنسانيته والتحول إلى وحش حقيقي يغرس أنيابه في الضحايا خدمةً للنظام الذي يمثله.

العبودية انهيار اثنين، انهيار طرفين وليس انهيار طرف واحد، العبودية عار البشرية التي لم تستطع التخلص منه، فلسفة اثنين: فلسفة الاستغلال وفلسفة التخلي عن الوعي بالجسد وبالذات وبالهوية، الحرّية في المقابل هي إدراك الواقع وقوانينه، إدراك ممكناته، إدراك ما يمكن تحقيقه الآن وما يجب أن يُترك للمستقبل الفردي أو مستقبل النوع، الحرّية إدراكٌ لا ينقضه وجود القيد فقد يكون العبد بلا قيود ظاهرة وقد يكون الحر في السجون وفي السلاسل.

تبدو محاولات تغيير السيد مثيرة، تسبب الهيجان العام، تسبب الأمل والأحلام والرهان، ذات النظام يغير وجوهه، يغير قواعده لكي لا يشعر الطرفان بالملل، التغيير يشبه إيقاف الآلات في معمل، تنظيفها من الأوساخ والعوالق وتغيير بعض الآلات من أجل كفاءةٍ أفضل في طحن البشر والأحلام.

لا تنفع الثورات حتى في حال انتصار عبد، فالعبد والسيد واحد، هما آلةٌ واحدة تعمل بطاقة التناقض بينهما، انتصار العبد يعني تبديل السيد فقط أما النظام فباقي طالما بقيت أدواته: العبد والسيد، المواقع والأسماء غير مهمة، الألوان والتسميات والنظريات والاختلافات وأحجام الهويات وأسماء الكيانات، مبدأ الآلة واحد حتى لو تغير محركها ونوع الطاقة التي تشغلها فهي تطحن اللحم البشري في كل الأحوال.

اقرأ أيضاً: معدل التقنين والعقاب الجماعي- أيهم محمود

حوامل الوعي الزائف مطروحة بكثافة في الأسواق  من أجل استهلاك الغضب الفائض وضمان سير الآلة الهمجية باستقرارٍ تام، تتنوع المخدرات وتتدرج من علاج بعض الجراح البسيطة وصولاً إلى القيام بثورات، هي عمليةٌ اقتصادية في كافة الأحوال، من غير المجدي رمي سيارتك من أجل ضوءٍ مكسور تستطيع استبداله بسهولة في مقابل ضياع بعض الساعات في عملية الإصلاح أما في حال تعطل المحرك عدة مرات أو تراجع كفاءة الآلية فإنها تُرسل للطحن والصهر تمهيداً لتزويد السوق الشره بآلةٍ جديدة أفضل تصميماً وكفاءةً وانتاجية، يجب تأمين طرق الاحتجاج الآمنة التي تختلف بين نظام وآخر في الشكل لا في النتائج النهائية، تأمين الأمل المقنن الذي لا يؤذي، تأمين استمرار تخلي الأفراد عن هويتهم بالإكراه المباشر أو بالتدريب المجتمعي طويل الأمد.

بمقدار اندفاع الأفراد الذين يظنون أنفسهم أحراراً – أو للدقة مميزون عند السيد الذي يخدمون – نجد الألم أكبر حين يجذبهم الطوق بقوة، الخيبات قاتلة وعادةً تجد الشامتين من العبيد المستسلمين كُثر وتجد أيضاً اندفاعاً حاداً في النظريات التي تمجد الاستسلام وتمجد الخنوع دون شعورٍ بأي عار، لم يكن تحرر الإنسان عبر التاريخ مسألة غضب ومسألة اندفاع بل مسألة وعي، الوعي هو الألم الأشد المعروف إنسانياً لأنه يجعلك تدرك الواقع بعمق وتدرك استحالاته كما تدرك ممكناته، الوعي هو الإرادة المستمرة الدائمة في مقابل اندفاعات الإرادة في الزمن القصير أثناء الغضب ثم خمودها اللاحق الطويل، الوعي هو بوابة الأمل الإنساني وهو ما يجب أن يوحّد التواقين إلى الحرّية الحقيقية وإلى وقف جميع أنظمة الاستغلال بغض النظر عن ألوانها وشعاراتها المختلفة.

اقرأ أيضاً: حاجة السوريين إلى عقد اجتماعي جديد- أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع