الظواهر الطقسية في الذاكرة الفينيقية – خالد عثمان

صورة تعبيرية

أنواء البحر ومربعينيات الشتاء والربيع في ذاكرة الصيادين السوريين

سناك سوري – خالد عثمان 

بعدما قضى “الاسكندر المكدوني” على سيدة البحار “صور” التي يتطابق لقبها مع اسم “مريم” بحقد منقطع النظير سنة 332 ق.م، وبعدما قضى “كاتو الروماني” على ابنة “صور” الكبرى ووريثتها “قرطاجة” 146 ق.م بحقد مطوّر عن الحقد اليوناني، وبعدما أغرى اليونانيون السلوقيون “أرواد” وابنتها “عمريت” بالنزاع الأهلي (219-148) ق.م، الذي أسفر عن خراب “عمريت” وانكماش “أرواد” تدريجياً، بعد كل هذا الحقد المنتشر من الشطآن الشمالية للمتوسط إلى الشطآن الجنوبية والغربية تهالك العالم الفينيقي وزلّت قدمه، فتساقط نحو الانطفاء.

حتى العصر الهيلنستي كان طائر النورس معروفاً بطائر الفينيق لأنه كان يتقدم السفن الفينيقية إلى شطآن وموانئ المتوسط، وكان نجم الدب الأصغر يسمّى النجم الفينيقي لأنه يحدّد وجهة رحلاتهم، ربما انطفأت بعض المسميات وغابت الكثير من المعطيات، لكن الخبرة الفينيقية المتراكمة خلال ثلاثة آلاف عام سابقة لذلك السقوط، كل ذلك لم ينطفئ بل استمر في ثقافة البحارة السوريين وخبرات حياتهم، قبل أن يغرق العالم في التكنولوجيا التي حوّلت كل الخبرات القديمة إلى تراث.

اقرأ أيضاً:حكاية الرجال الذين قتلوا نسائهم وأطفالهم في المدينة الفينيقية- حسان يونس

حفظ البحارة السوريين مواقيت الأنواء والظواهر الطقسية شفاها، ووفقا للذاكرة المتناقلة لدى البحارة السوريين فان حساباتهم الطقسية تعتمد على الاثني عشر يوم التالية لعيد الصليب الواقع في 14 أيلول، حيث يمثّل كل يوم شهراً، وتمثل بداية اليوم بداية الشهر، وهكذا دواليك منتصف اليوم ونهايته، ووفقاً لهذه الذاكرة فإن المتواتر في شهر كانون الثاني هو أربعة أنواء  تبدأ بـ “نوة رأس السنة” وموعدها 2 كانون ثاني، وتستمر أربعة أيام، يرافقها المطر، ثم تليها “نوة الفيضة الكبيرة” في 12كانون ثاني، وتستمر ستة أيام ويرافقها مطر شديد، وفي 18 كانون الثاني تحلّ “نوة الفيضة الصغيرة”، ثم تأتي “نوة الكرم” في موعد يتراوح بين 28 – 30 كانون الثاني ونوة هي جنوبية غربية تستمر سبعة أيام وأمطارها غزيرة.

وتبدأ نوة “الشمس الصغيرة” في 18 شباط وتستمر ثلاثة أيام وأمطارها غزيرة أيضاً، وفي نهاية شهر شباط تحل نوة “الحسوم”، وموعدها وفق التوقيت الغربي من 25 شباط حتى 3 آذار ويسميها البعض “المستقرضات”، ووفق التوقيت الشرقي تبدأ في 9 أو 10آذار (هناك فارق 13 يوم بين التوقيتين)، وهي نوّة شديدة يصفها المثل الدارج عند البحارة بالقول :«اللي بيموت في الحسوم بيموت كافر»، أي لا يبحر فيها إلا من أراد الانتحار، ومدة “الحسوم” سبعة أيام وثمانية ليال، والمعروف عنها أنها إذا جاءت قوية على التوقيت الغربي تأتي ضعيفة على التوقيت الشرقي أو العكس، وعنها يتداول المثل الدارج “قال شباط لآذار يا بن عمي يا آذار أقرضني أربعة أنفار أربعة منك وثلاثة مني ونخلي وادي العجوز يغني”.

اقرأ أيضاً:هل سمعتم سابقاً بوجود مدن سورية غارقة في البحر؟!

يصادف في شهر “آذار” أربعة أنواء، تبدأ بنوة “السلّوم” في 2 آذار، وتستمر لمدة يومين وهي ممطرة، ثم نوة “الحسوم” في 9 آذار وتستمر سبعة أيام وهي ممطرة وشديدة وثم نوة “الشمس الكبيرة” في 18 آذار، وتستمر لمدة يومين وتعتبر ” توديعة للحسوم”، وهي ممطرة أيضاً، وآخر الأنواء هو نوة “العوّة” و”برد العجوزة”، أي أن العجائز تعاني فيه من البرد فيها خلافاً للشباب، وتبدأ في 24 آذار وتستمر ستة أيام وهي خفيفة ممطرة وتصديقاً لذلك يقول المثل “العوّة وما بعدا نوّة”، أي أن الطقس يصبح بعدها آمن، خالي من العواصف .

وأما الرياح، فوفقاً للذاكرة الفينيقية المتواترة تبدأ في منتصف كانون الثاني تيارات ريح شرقية قوية  لا تتوقف، حتى تهب رياح غربية فتصدها وفقاً لكلام العجائز “بس يطلع شرقي معناتا بيجي بعدو غربي”، وفي أواخر كانون الثاني تشارف مربعانية الشتاء (مشتقة من الرقم 40 الذي يرمز للإله “إيا أو انكي” سيد المياه العذبة، الإله الثالث في تسلسل شجرة الآلهة السومرية) على الانتهاء، فيخرج البدو ماشيتهم للرعي في البادية بعد انتهاء المربعانية، لاعتقادهم أن الشتاء الحقيقي قد انتهى وفقاً لمثل شائع لديهم (بعد المربعانية الدروة ولا الفروة )، أي يكفي الظل لاتقاء برد ما تبقّى من الشتاء ولا داعي للفراء.

يبدأ وداع  “المربعانية” في 30 كانون الثاني بنوة قوية وقصيرة هي “نوة الكرم”، ومدتها سبعة أيام ترافقها أمطار غزيرة وتعتبر هذه النوة “تلويحة وداع المربعانية” في موعد يتراوح بين(3-5) شباط، بعد انتهاء المربعانية تبدا “الخمسينية”  (مشتقة من الرقم 50 الذي يرمز للإله “النيل” سيد الرياح والعواصف والإله الثاني  في تسلسل شجرة الآلهة السومرية)، ويبقى الجو مستقراً حتى بدء شهر “أمشير” (بدء السنة حسب التوقيت القبطي في ٨ شباط) المعروف بالرياح الشرقية القوية الدافئة، التي تستمر حتى تبدأ الحسوم الغربية وتقضي عليها بعد منتصف شباط حيث تبدأ “نوة الشمس الصغيرة” في 18 شباط، وتتكون الخمسينية (وفق التقويم الزراعي الذي لا يهتم به الصيادون) من أربعة سعود كل منها 12 يوم تبدا ب”سعد ذبح” الشهير ببرده “الذابح” والذي يتردد حوله المثل (تقول المربعانية اذا ما عجبكم حالي (بردي) رح ابعتلكم سعود خالي )، ثم “سعد بلع” المتوافق مع شهر “امشير”  الذي تقوم فيه الرياح الشرقية بتجفيف الأرض وإعادة فتح مساماتها بحيث تتهيأ لارتشاف ماء المطر، ثم “سعد السعود” المشهور عنه أنه (يمشي الماء في العود وتبدأ دورة الحياة في النباتات)، ثم “سعد الخبايا” (الذي تتمشى فيه الصبايا أي تخرج الأفاعي من سباتها).

اقرأ أيضاً الديمقراطية التي ارتكبها أجدادنا ونجحوا فيها – حسان يونس

يقول البحارة : «كل شهور السنة الك إلا شباط ما عليهِ رباط»، بمعنى أنك تستطيع التنبؤ بطقس كل الأشهر ماعدا شهر شباط الذي يتصف بالتقلب، فالبارحة صباحاً كان صحو، وفترة الظهر ريح شمالي قوي والمساء أمطار غزيرة واليوم صباحاً صحو وغلينة (أي هادئ ككتلة واحدة) ، فخلال ٢٤ساعة يتغيّر الطقس بين أربع حالات .

وفي الأسبوع الثاني من شهر آذار يقول البحارة :«إذا صارت ورقة التين بحجم رجل البطّة نام ولا تتغطّى »، وفي نيسان يستعمل البحارة مصطلح (طقمسات الربيع )وهو مصطلح طقسي يستعمله الصيادون حين تكون السماء ملبّدة بالغيوم والريح هادئة والحرارة مقبولة، فيصبح البحر (غليّنة، هادئ ككتلة تشبّه البلاطة)، وحينها يقول الصيادون:«عم يرايش المنّوري» ،أي يعوم سمك “المنّوري” من الأعماق إلى السطح ويظهر “ريشه” فوق سطح الماء ويؤدي رقصات معينة (عم يرايش ) بتعبير الصيادين، وغالبا ما تبدأ “الطقمسات” بعد “الريّة السابعة عشرة” في منتصف نيسان، وفي الثلث الأخير من نيسان تحل أيام “ثلاثة التوت” وهي ثلاثة أيام ريح خفيفة باردة تليها ثلاثة أيام هادئة حارة، أما في شهر أيار فينتظر الصيادون على الدوام “شتوة الحصيدة” وموعدها في الثلث الأول من أيار.

يتبع

اقرأ أيضاً:سوريا التاريخية.. لا تحتقر إلهاً لا تعبده – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع