الصحة الإنجابية والنوع الاجتماعي… هل المرأة صاحبة قرار على جسدها؟

الصحة الإنجابية -صورة تعبيرية انترنت

التوعية القانونية ضرورة ضمن برامج الصحة الإنجابية

سناك سوري – لينا ديوب

في العيادة النسائية تصطحب الأم ابنتها، التي لم تتجاوز الخامسة عشر من العمر، لتعرف سبب تأخرها في الحمل، وعندما قلت لها أن ابنتها صغيرة وقد يكون جسمها في مرحلة النمو ورحمها غير مكتمل، أخذت موقف الدفاع عن جسم ابنتها وكأنني وجهت لها إهانة، هذه الأم لا تعرف شيئاً عن الصحة الإنجابية، وإنما تحمل مجموعة عادات تدفعها للخوف على مصير ابنتها مع زوجها.

تتحدث “لما” 53 عاماً، عن معاناتها بعد ولادتها القيصرية بابنها البكر، حيث تركها الأطباء المولدون على سرير التوليد المليء بالدم والكحول، وسط غرفة مخاض كبيرة في أحد ليالي تشرين الثاني الباردة، ترتجف من البرد، إلى أن وصل أهلها ونقلوها إلى الغرفة المخصصة لها، حينها كان طبيبها مسافراً خارج القطر وعانت من بعض الآلام فحوَّلتها الطبيبة النسائية التي راجعتها إلى المشفى الذي تعمل به وبحالة إسعافيه.

قصة  “لما” وتلك الأم الصغيرة، تعكس بعض ما تتعرض له النساء، عندما يبدأن برحلة الأمومة، وقبلها أيضاً بسبب الفهم الخاطئ للصحة الإنجابية من جهة، ولانتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً:نحن نتنفس عنفاً.. لينا ديوب

الفهم الخاطئ

لم يسهم انتشار المستوصفات قبل الحرب في مختلف المدن والبلدات واحتواءها على أقسام خاصة برعاية الأمهات الحوامل والأطفال في نشر المعرفة والإلمام حول مفهوم الصحة الإنجابية، فالكثير من الأزواج والأسر يعتقدون أنه تحديد النسل ويرفض الفكرة، ويقولون للطبيب أو الممرضين والممرضات بأنهم أحرار بعدد الأولاد الذين يريدون إنجابهم، وهو مايقود إلى العنف القائم على النوع، لأن الطرف الأضعف في الأسرة هو المرأة، وهي المطالبة بالإنجاب دون مراعاة حالتها الجسدية، وهي التي ُتزَوج صغيرة دون إتمام تعليمها واكتمال نمو جسمها.

ممارسات شائعة تعرض حياة الأم للخطر

يقول “رامي السعدي” طالب طب سنة سادسة متطوع بفريق “ضمة وردية”: «هناك العديد من الممارسات الشائعة التي تمر وتعرض حياة الأم للخطر، دون أن ينتبه لها الأطباء، منها مثلا: إذا كانت السيدة تعاني نزيف رحم بعد عمل جراحي، والاستطباب الوحيد لإيقاف النزيف هو استئصال الرحم، القانون السوري يمنع دون موافقة الزوج، في حال انتظر الطبيب وصول الزوج وتوقيعه، قد تحدث الوفاة»، مثال آخر يذكره “السعدي” : «تحديد جنس المولود، طبياً الأب هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، لكن الشائع أن الكثير من الزوجات يطلقن لأنهن أنجبن بنات، أو يتزوج الزوج عليهن، هناك الكثير من القصص التي لا نعرفها بسبب الخوف من المجتمع، لكن عندما ننشر الوعي سيخف العنف».

أهمية التدريب

ربط العلم والمعرفة بالصحة الإنجابية بالحالة الاجتماعية والنفسية ضرورة يؤكدها “قصي الرومان” ماجستير توليد وهنا يوضح:« بالكلية ندرس مثلاً أن للإجهاض أسباب تتعلق بالأم وأسباب جنينية و إذا ربطنا العادات والتقاليد والقانون بالأسباب الجنينية نرى أن الإجهاض ممنوع، وبالتالي إذا كان الجنين ميت أو غير متوافق مع الحياة فالأم مضطرة إلى حمله تسع أشهر، ثم تلد حسب القانون».

في نفس السياق تقول القابلة القانونية “آمال غبرة” من مشفى “صلخد”:« التدريب فرصة لنا لتوعية النساء بشكل عام، لننقل هذه الثقافة مثلاً هناك معلومة خاطئة رائجة أن أدوية منع الحمل تسبب سرطان الثدي إذا استخدمت أكثر من خمس سنين، ونحن نرى العنف في العيادة لأن الزوجة ليست صاحبة قرار على جسدها، وسيطرة التكتم على حياتها خوفاً من المجتمع، ويصل التكتم أحياناً على جريمة قتل يرتكبها الزوج، وهذا ما حصل في أحد المرات بسبب شكه أن الجنين ليس طفله».

اقرأ ايضاً:مدير شؤون الأسرة: نعمل على حماية النساء المُعنفات والمُبِلغين عن التعنيف

رأي الطب

يرتبط مفهوم الصحة الإنجابية بالعنف القائم على النوع  حسب ماتؤكده الطبيبة النسائية “رزان محيثاوي” المدربة مع راديو سوريات على الصحة الإنجابية وقضايا النوع  لـ “سناك سوري” وتقول:«الصحة الإنجابية هي حالة سلامة كاملة من الناحية الجسدية والنفسية والاجتماعية للأب والأم، وهي أن يعيش الزوجان حياة جنسية مرضية، يستطيعان أن يحددوا فيها عدد الأولاد مواعيد الانجاب، أما مفهوم النوع الاجتماعي الصفات المميزة بين الذكر والأنثى يوضح لنا كم تحتاج كل سيدة إلى رعاية و تثقيف صحي، كذلك الزوج».

وتضيف:«بعملنا نلاحظ الجهل ببعض القضايا التي تخص الزوجين سواء بالحمل، بوسائل تنظيم الأسرة، بالتحاليل التي يحتاجها الزوجان، بموضوع العقم، فالسائد عدم إدخال الزوج كسبب أساسي بموضوع العقم، دائماً اللوم على الزوجة، ونلمس العنف عندما تجبر السيدة على استخدام وسيلة منع حمل قد تؤذي جسمها، علماً أنه يمكن للزوج استخدام المانع، أيضاً بعدد الأولاد فقد يفرض الزوج عدداً لا تريده الزوجة»، وتؤكد أنه حتى تسمية الحامل بالمريضة غير صحيحة، فالحمل هو حالة فيزيولوجية طبيعية، ليست مرضية، ومن واجبنا كأطباء نقل هذه المعرفة إلى الأزواج وأهاليهم لتنتشر السلوكيات السليمة، ويتراجع العنف.

دور القانون

تتعرض حياة النساء للخطر، بسبب ممارسات يعاقب عليها القانون لو لجأت السيدات إلى القضاء، كما تقول الدكتورة “محيثاوي” وتضيف :«الممارسات الطبية الخاطئة بوسائل منع الحمل والاجهاض إضافة للاختلاط الطبي كالعمليات بالعيادة، الإهمال، والأدوية التي تكتب، كلها يحاسب عليها القانون، فهو يمنع العمليات في العيادات وهذا لصالح النساء والفتيات، لكن بالمقابل، يمنع الإجهاض واستخدام موانع الحمل، وهذا يعطي أهمية لإدخال التوعية القانونية ضمن برامج التدريب على الصحة الإنجابية والنوع الاجتماعي».

يذكر أن راديو سوريات ضمن برنامج “ضمة وردية” يقدم بشكل دوري التوعية على الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، للأطباء والممرضين والطبيبات والممرضات والقابلات وللأمهات والآباء.

اقرأ أيضاً:دمشق.. شباب يرفض العنف والتنميط ويقول: «لا للتنمر والتحرش»

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع