الصحافي الساخر .. صياد أم طريدة؟

كاريكتير- شوقي البادي

هل نحن مضطرون للتعايش بسلام مع من يمصون دمنا؟

سناك سوري – شعيب أحمد

منذ مدة غزت البراغيث اللئيمة زريبتي، لهذا جررت ظلي خلفي واتجهت إلى الطبيب البيطري، وحين أخبرته أني استنفذت جميع الطرق في هزيمة هذا العدو (من استعمال الماء والنار والسم)، قال لي بنصيحة أخيرة :«إن البرغوث مخلوق متطور، فهو يتأقلم في كل مرة مع المضادات الجديدة، لهذا ما عليك سوى أن تعيش مع براغيثك بسلام»،  ثم أدار طاقيته للوراء و ركب دراجته النارية وغادر، وبالفعل ومنذ ذاك اليوم وأنا أسمع تلك النصيحة، لأني مجبر على ذلك، مجبور بأن أعيش مع من يمصون دم معزاتي وبقرتي بسلام.
وحين أتابع الأخبار العربية المحلية وأرى سعي الأصدقاء عبر صفحاتهم الشخصية للخروج من أزماتهم المعيشية بنشر النكتة وروح الدعابة على مصائبهم، أرى أنهم جميعاً باتوا يتبعون نصيحة ذاك الطبيب البيطري، لهذا فهم اليوم يعيشون في سلام مع من يمصون دمهم، لأنهم عاجزون عن فعل شيء تجاه الفساد والفاسدين في حكوماتهم.

اقرأ أيضاً:الرئيس الأسد: يجب دعم الإعلام لمتابعة قضايا الفساد

في السابق في بلادنا العربية اللطيفة حين يتعب المواطن من جر ظله خلفه، يترك كل شيء من ثم يقفز فوق جدار جاره ويضع إصبعه في عين جاره لأنه أضعف من أن يدس إصبعه في عين الحكومة ويقول لها علانية عما يعانيه، أما اليوم يبدو أن الأمر اختلف قليلاً، فتراه غيّر من أساليبه القديمة في التنفيس (وفش خلقه)، فتجده في التعبير عن مصائبه يدس إصبعه في هاتفه و يكتب نكتة على جداره الأزرق باسم مستعار ينتقد فيها الشأن العام لسوء معيشته.

نحن نعي جيداً أنه من الحكمة ألا يسخر المرء من الآخرين، لكن في الأدب والصحافة، تعد السخرية أسلوب كوميدي لطيف يمثل حالة مجتمعية معقدة لاعتقادنا أننا بذلك نوصل رسائلنا للحكومة بطريقة لطيفة و(مهضومة) لا تزعجها، لكن يبدو أن قسماً كبيراً في الحكومات العربية غالباً ما يسيء الظن ويجد في الأدب الساخر بضاعة رخيصة فتَقرأ نكاتنا على أنغام الأوديسة أو طروادة لا على زغاريد “سارية السواس” أو ألحان “بنت الجيران”.

اقرأ أيضاً:هل تكافح الحكومة الفساد بعيداً عن التصريحات الإعلامية؟

فما هو معلوم لدى الجميع أن لا جريمة حين يسقط المرء صريعاً من الضحك على نكتة، وهذا هو الدافع القانوني لانتشار الساخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، فنحن في هذا العالم لكي نضحك، سواء حين نتحدث عن أنفسنا أو الآخرين، لهذا جل ما يمكن أن يقال عن الصحافة الساخرة في بلادنا اليوم ما قاله “روبيرت اسكارييت” عن “جول فيري” ذات يوم بأنه (شجيرة ورد زهرها من الداخل وشوكها من الخارج).

فعبر التاريخ، الأزمات الإقتصادية والسياسية تخلق مناخاً جيداً للنكتة، كما أنها تنمي المعلومات التاريخية والسياسية للمواطنين، وفي الأزمة الإقتصادية الأخيرة التي نعيشها اليوم و التي تمثلت بالتضخم الهائل في الأسعار انفجرت مواهب جمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن وجعها وجوعها بنكتة، وهؤلاء ممن ينطبق عليهم قول القائل (من يرشون على الموت سكر)، فتحلية المصيبة هو فن بحد ذاته لا يقدر على صنعه سوى من خبروا هذه المصائب، رغم أنهم يدركون أنه غالباً في بلادنا ما يتحول صحافي الشارع الساخر فجأة من صياد الى طريدة، وفي أدنى احتمال يمكن القول أنه غالباً ما يفقد هذا الصحافي أنفه، كي لا يدسه فيما لا يعنيه في المرات القادمة، مع ذلك تنتشر النكتة اليوم بطريقة غريبة، وحتى لا أطيل في وجهة النظر هذه ينبغي ألا يلام رواد السخرية في بلادنا كما في بعض البلدان أو يضيق الخناق عليهم، لأنهم باتوا روح هذه الأمة المكسورة.

اقرأ أيضاً:كنان وقاف لـ سناك سوري: أصبحت أقوى في محاربة الفساد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع