الشتائم وتشخيص الأمراض الإنسانية- أيهم محمود

صورة تعبيرية- انترنت

نحن نلون ونزين شقوقنا وشروخنا المجتمعية لكن الغضب يكشفها لتبدو مثل وجه أرضٍ طينية استوطن فيها اليباس والعطش

سناك سوري- أيهم محمود

قاموس الشتائم في العالم غني وواسع وله استخدامات متنوعة بدءاً من المشاجرات الفردية وانتهاءاً بالمشاجرات العامة السياسية والاجتماعية، تترافق الشتائم مع الغضب، ويترافق الغضب مع الصدق الذي يظهر نتيجة تخلخل أنظمة المصافي الداخلية التي تمنع إظهار حقيقة التناقضات البشرية الداخلية وترسم المظهر الذي نريد إظهاره للآخرين.
كثير من الشتائم تتعلق بعنصرية البشر تجاه بقية الكائنات الحية والتي عادة لا تقع في ذات الحفرة مرتين لكن الإنسان يفعل ذلك ويكرر أخطاءه دون أن يُظهر أي رغبة في تعلم دروس الحياة، هذه الشتائم مهمة وتحتاج التفصيل ربما في مقالات آخرى لكن ما يهمني الآن في هذا النص هو العنصرية البشرية سواء تلك التي تنال من عرق محدد أو من تيارات دينية أو اجتماعية محددة كأن يصبح لون البشرة أو اسم القومية أو اسم الدين شتيمةً بحد ذاته، لا تقتصر العنصرية على الانقسامات الاجتماعية التي ذكرناها هنا بل تمتد إلى داخل الخلايا الأصغر في المجتمع والتي نسميها الأسرة، نحن نلون ونزين شقوقنا وشروخنا المجتمعية لكن الغضب يكشفها لتبدو مثل وجه أرضٍ طينية استوطن فيها اليباس والعطش، أذكر هنا بالتحديد الشتائم الجنسية وهي تشكل القسم الأكبر والأهم من قاموس الشتائم المحلية والعالمية أيضاَ.

اقرأ أيضاً: سوريا.. تقاسم الوجع _ أيهم محمود

يُظهر هذا النوع من الشتائم حقيقة الانقسام الداخلي في النفس البشرية حول موضوع الجنس، هل هو فعل حب ورحمة وتواصل؟ أم فعل عدوان بقصد إذلال الخصم وتحقيره؟ لا تحمل الأفعال الغريزية الأخرى ذات الشحنة المتناقضة التي يحملها الفعل الجنسي في المجتمع، لو قلت بغضب أني سأطعمك من طعامي وأسقيك من مائي لبدا هذا للجميع فعل محبة مهما بالغت في رسم الغضب على وجهي، لا يحمل الطعام والشراب وهما من الحاجات الأساسية أيضاً تناقض الغريزة الجنسية التي تتطلب كائناً مسيطراً وآخر خاضعاً له وهذا ما تكشفه الشتائم الجنسية كأعراض لهذا المرض الثقافي فهو مرض وليس حالةً إنسانية أصيلة فهناك من استطاع شفاء نفسه منه وهناك من لم تظهر عليه أعراضه.
لا يمكن إصلاح أي ثقافة قبل إصلاح اللغة ذاتها، فاللغة والوعي والثقافة وجوهٌ متعددة لجوهرٍ مشترك واحد، التشققات العنصرية بين الجنسين في المنزل الواحد سواء بين الرجل وزوجته أو الأخ وأخته تمتد أفقياً وعمودياً لتشمل الفضاء العام الاجتماعي والسياسي، بعض التيارات الدينية تظن أن العقوبات الصارمة تجاه الشتّامين هي الحل لكن هذا سيؤدي إلى تفاقمها على قاعدة كل ممنوع مرغوب، ربما الحل هو التشريح العلني لهذا الظاهرة دون إدانة لأحد ودون منع لها والهدف المرحلي هو إغلاق بعض التصدعات داخل الأسرة الواحدة وهذا ما سيمنحنا بعض الأمل المستقبلي بإغلاق امتداداتها في الفضاء الاجتماعي العام، ولمن ينظر الآن إلى هذا النص مستغرباً من أوجه الربط بين هذه المواضيع فليحاول تخيل وفهم شعور أي أنثى في محيط رجل يستخدم الألفاظ الجنسية كفعل تحقير لرجل آخر أو لأنثى أخرى، كيف ستنظر الأنثى إلى هذا الفعل حين يحين موعد الاستسلام له؟ هل ستعتبره حقاً فعل حب ومودة أم فعل إخضاع وإذلال، والأمر الأهم كيف ستنظر إليه إن كانت تستخدم هذه الشتائم أيضاً، البعض يقول أن هذا الكلام لا معنى له وهو لغو دون قيمة جَدّية يحملها، للأسف لا أعتقد بذلك فاللغو الذي بدا بريئاً تحول فيما بعد ظواهر مميتة في الحروب التي تشتعل بين الدول أو بين مكونات الدول ذاتها، تشريح اللغة ومعالجة ظواهر العنف في مهدها ربما يَقِينا من الدمار اللاحق الذي يمكن أن تتعرض له المجتمعات حين تتراكم مثل هذه الانفعالات لتبلغ كتلةً حرجة تنسف بنيتها، هناك دائماً نقطة تحول حرجة تفصل بين تراكم المواد القابلة للانفجار وبين الدمار التالي لتحولها إلى كتلةٍ من اللهب.

اقرأ أيضاً: لو كنتُ مسؤولاً _ أيهم محمود

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع