السويداء: بيانات عائلية تتبرأ وأخرى تتوعد

أهالي السويداء

البيانات العائلية عودة للخلف أم تعبئة فراغ؟

سناك سوري – رهان حبيب

بات من الطبيعي وعلى هامش أي حدث أمني أو اجتماعي في مدينة “السويداء” نشر البيانات العائلية، على هيئة البيانات العسكرية أو الفرامانات العثمانية التي يصفها بعض المتابعين بأنها أشبه بالإنزلاق إلى الخلف والانغماس بروح القبيلة والعشيرة.. بينما نحن في القرن الحادي والعشرين.

ففي سيطرة واضحة للخوف وعدم الاستقرار يتفاعل أهالي “السويداء” وعائلاتها مع بياناتهم التي تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي إشهاراً إعلاناً تنديداً رفضاً منعاً وتأييداً، على ضوء حوادث اختلفت بالنوع واصطبغت بالحالة العائلية القبلية التي أعادت الزمن عقودا مغرقة في القدم، في هذه المرحلة التي يرى فيها متابعون أننا بحاجة لنفكر معا بحالة باتت ممجوجة وتتكرر بشكل شبه يومي، عندما تعلن عائلة معينة أنها ترفض أو تتخلى عن أحد أولادها أو تستنكر وذلك في الغالب بعد حوادث أمنية مثل خطف أو إطلاق نار أو غيرها من الحوادث، كانت الأجهزة الحكومية تتولى حلها في سنوات سابقة، وقد لا تتسع دائرتها حتى تتم المتابعة والحل.

“عهد” شاب اضطر ليلاً لتجاوز دوار المشنقة أثناء اشتباك فصائل “صلخد” مع فصيل من عائلات مدينته ووقف خلف إحدى السيارات للاحتماء من نيران من مصادر مختلفة، يستغرب أن نعيش هذه المشاعر في مدينة يصفها البعض بقرية كبيرة، يمكن لأهلها أن يجتمعوا على مأدبة غداء، لكنهم اليوم بعيدون عن اللقاء على خيار واحد واكتفوا بالبيانات.

صياغة البيانات بهيكلية واحدة…

لا يغيب عن الذهن أن ما نتابعه اليوم من بيانات سبقه عشرات البيانات للعائلات في جبل العرب، انطلقت مع بداية تخلخل الحالة الأمنية وظهور الفصائل المسلحة كان أشهرها بيانات عائلية ترفع فيها الغطاء عن أحد أفرادها أو تقوم بتسليمه للدولة أو عدم تبني أفعاله.

البيانات الأخطر هي تلك التي تحمل في طياتها مفردات الثأر والتهديد والوعيد، وقد شكل بيان صدر مؤخراً عن إحدى العائلات حمل عبارة “أعذر من أنذر” عامل خوف لدى الأهالي الذين رأوا فيه إعلان حرب.

دور الدولة والمجتمع

ترفض مجموعة واسعة من أبناء السويداء على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والاجتماعية هذه السلوكيات، وترى أن الحل يحتاج إلى جملة تحركات يبدو أن العائلة أخر محرك فيها.

ويرى هؤلاء أنه من الواجب على الدولة أن تأخذ دورها وتتفاعل إيجابياً مع هذه المتغيرات في المجتمع، معتبرين أن تراجع دور الدولة القوية سهل لبعض الأفراد والمجموعات بسط سطوتهم في المنطقة وفرض شروطهم بالقوة.

وفي الوقت ذاته يجد هؤلاء أن المجتمع الذي قبل البيانات وروج لبعضها من منظور عائلي قبلي (ماقبل الدولة) عليه واجب اتخاذ موقف جديد رافض لها وداعم لمفهوم الدولة الجامعة المانعة التي تحمي المواطنين وتفرض العدالة ومنطقها.

أثر سلبي

يرى “شريف المقت” وهو مدير جريدة “المنبر الحر” أن البيانات العائلية أدت الى مفعول سلبي كرس التقوقع أكثر من المناطقية الى الطائفية وصولاً إلى العائلية، ووفق رأيه فإن انكفاء الدولة عن مسؤولياتها أطلق يد المجموعات المسلحة بأعمال الخطف وقطع الطرق وإرهاب الناس الشرفاء الذين لا حيلة لهم، بالتالي على الجميع أن يتذكر أننا سوريون ونطالب الدولة بتطبيق القانون، إذ لا حامي للمجتمع إلا القانون والدولة، والعائلية حالة تشرذم لا تخدم مجتمعاتنا وبها تطيل “السويداء” أمد مخاض عسير وعلينا جميعاً مسؤولية النهوض بها والأخذ بيدها للوقوف من جديد بالمكان الذي يليق بها، ويحقق مصلحتها للقادم من الأيام تحت راية واحدة وهدف واحد ومصير واحد وهي راية الدولة السورية فقط.

كل البيانات سلبية:

يرفض “المقت” فكرة أن بيانات التبرؤ هي بيانات إيجابية والأخرى سلبية، ويرى أن كل البيانات تكرس مفهوم ماقبل الدولة لأنها تنطلق من خلفية عائلية قبلية، ويرى أن هذه البيانات ستنتهي قريباً وذلك: «لعدم جدواها فعملية التبرؤ من المجرم لا تأتي ببيان، وإنما تكون بمحاصرته على أرض الواقع، وعندما تأخذ الدولة مكانها الطبيعي بفرض القانون».

مبررات عائلية

في الوقت الذي يجد فيه “أبو كريم” المنتسب لعائلة كبيرة ومشارك في كتابة بياناتها عندما تستدعي الضرورة، أنه قديماً كانت العائلة تقف في موقف لا تحسد عليه عندما يكون أحد أفرادها مطلوباً بناءً على فعل معين يقيمه المجتمع بالفعل الشائن، وهذا كان في مراحل تاريخية سابقة أما في هذه المرحلة، فإن الحالة الأمنية وضعف سيطرة القانون جعل العائلة طرف وحملها عبء كبير لتكون حاملة لخطأ كل أفرادها في وجه المجتمع وهذا إلتزام يرتبط به كل فرد مع عائلته، وتبعاً لذلك قد يعاقب أولادها بفعلة فرد منهم وفي ذات الوقت قد تكون العائلة كمجموعة أفراد غير قادرة على فرض السيطرة على أحد أفرادها أو تجريده من السلاح، فيكون البيان أحيانا بهدر دم الابن أو التخلي عنه نوع من التعريف بموقف قد يكون أضعف الإيمان وخطاب يوجه للمجتمع لتحيّد أفراد العائلة عن مواجهات جديدة.
ويقول: «مع القناعة أن البيانات لم تحدث أثراً كبيراً لكنها نوع من التفاعل العصبي أتصور أننا مضطرون لاتباعه، ولن يكون له حاجة عندما يقول القانون كلمته وتتوافر أدوات تطبيق الحكم عندها أتصور أن العائلة ستعود لوضعها الطبيعي كصفة اجتماعية لكنها منضبطة تحت مظلة القانون وهذا كان واقع الحال قبل الحرب وتداعياتها».
أخيرا بعد الاستنكار والتنديد تطورت البيانات إلى التهديد وعندما تهدد عائلة بصراحة وبهذه الطريقة، فهذا يعني أنها قادرة على هدر الدم وأن حل المشكلة قد يكون بين العائلتين على “عقدة رأي” وفق التقليد القديم أي أنه وبعد أن يقتل القتيل تحل الأمور عشائرياً ولندع القانون مرتاحاً فقانون القبيلة موجود والقادم أحلى وأجمل.

خاتمة:

تحمل البيانات خلفها ملامح تضيق المفاهيم والتحول من الدولة إلى القبيلة، وتعكس في جلها خطورة الواقع الذي تضيق فيها حالة التعاون وتتسع فيها دائرة العداء الذي حول أبناء العوائل في مرات عدة من أبناء عائلة واحدة إلى أعداء، بينما يستعيد بعض الأهالي ذاكرة السويداء التاريخية عندما كانت شاهداً على بيان جامع لكل السوريين أصدره قائد الثورة السورية ضد المستعمر الراحل “سلطان باشا الأطرش” ويمنون النفس بانتفاء بيانات العائلة والقبيلة لصالح ماهو جامع لكل أبناء المحافظة ولكل السوريين.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع