السورية قمر كيلاني … رائدة النبع

الكاتبة السورية "قمر كيلاني"

“قمر كيلاني” دونها التاريخ كواحدة من الأقلام النسائية القليلة والرائدة

سناك سوري – عمرو مجدح

لم تكن أسرة الكاتبة والباحثة السورية “قمر كيلاني” المولودة في حي النوفرة الدمشقي عام 1932  على علم بتوجهها نحو الكتابة، حتى أنها لم تكن تُطلِع أفراد أسرتها على أي شيء يخص دراستها كما لو كانت تخفي ذلك، لكنها في قرارة نفسها كانت تشعر بالحزن لأنهم لا يهتمون بهذا الجانب الحساس من تكوينها الثقافي ولا تجد من تناقشه في كتاب لـ”جبران” أو “المنفلوطي”، وكان أول من تلقى ثمارها الفكرية والأدبية أساتذتها في المدرسة وأبرزهم د. “شاكر مصطفى” ود”عبدالله عبد الدايم ” ود “شكري فيصل” الذي كان يرافقها للمكتبة الظاهرية.

نشرت “كيلاني” كتاباتها الأولى في مجلة الجامعة ووقعتها بإسم “رائدة النبع”، ثم بدأت تكتب باسمها الحقيقي بكل جرأة فدونها التاريخ كواحدة من الأقلام النسائية القليلة والرائدة في تلك الفترة، والتي أثرَت الساحة السورية بكتاباتها المتنوعة بين الرواية والقصة القصيرة والمقالات الأسبوعية ومن أبرز أعمالها رواية “الدوامة” و”بستان الكرز” التي تعرضت فيهما للحالة الاجتماعية والسياسية في “سوريا”.

وفي الحوار الذي أجرته معها مجلة المعرفة في العام 2009 تحكي “الكيلاني” قصة ارتباطها بمدينتها “دمشق” فتقول: «دمشق هي أنا.. وأنا دمشق ولا أقول إنني مازلت أعيش فيها لأنها هي التي تسكنني وتعيش في وجداني فقد نشأت في بيت كبير فيها، ولما فارقته مع أسرتي بسبب التطور العمراني آنذاك شعرت أنني تركت جزءا مني في ذلك البيت القديم. يدفعني حنيني كثيرا إليه فأزور مدينتي التي أصبحت قديمة.. فهي ذاكرتي وأولى عوالمي.. دمشق حبيبتي لا أبتعد عنها إلا لأعود إليها».

وتضيف:«مازلت أذكر “النوفرة” أو البحرة الكبيرة التي ترشق رجال “دمشق” بثيابهم التقليدية أكثر منها الحديثة وهم حولها يتعاطون القهوة ويعبثون بشواربهم الطويلة، ومازلت أذكر “الزودة” أو فيضان “بردى” عندما تمتلئ أحياء “دمشق” القديمة بالطين فيهرع السكان ويشمرون عن سواعدهم وسيقانهم ليعيدو الأمور إلى نصابها».

اقرأ أيضاً:من يهود “سوريا” إلى “هالة” بنت “ألبير” اليهودي – عمرو مجدح

لا تنسى “الكاتبة” ملامح طفولتها الأولى في حي “العمارة” حيث “السبع طوالع” حسب تعبيرها أي تلك النوافير الهادئة الصغيرة السبعة التي تنبع من جدار لأسرة جدها من أمها “فارس الكيلاني”، وقسم كبير من هذا الحي مغطى بسقف يسمونه “السيباط” وفيه حمام شهير كما أن فيه المجمع العلمي العربي، والمكتبة الظاهرية التي كنت تتطلع إليها فتحفزها للوثوب في دراستها حتى الابتدائية منها لتقرأ كل تلك الكتب.

تصف “كيلاني” نشأتها بالمضطربة نسبياً خاصة في ظل غياب عمود البيت الوالد والذي كان يساند الثوار من الضيعة أو الإقطاعات التي يملكها مختفياً عن الأنظار، حتى يتم الاستقلال أما والدتها فتصفها ب”المترفة” ابنة “الباشا” الحائرة ببناتها وابنها الوحيد، ومشغوفة بطفلتها الصغيرة الشقراء “قمر”.

كانت”كيلاني” من الفتيات القليلات اللواتي حظين بالتعليم الجامعي في تلك الفترة وتحكي عن ذلك قائلة:«صحيح أنني من أسرة إقطاعية تمتلك الأراضي الزراعية لكنها تعرف قيمة العلم، وتعتني بأبنائها، وقد ترسلهم إلى أوروبا للتعليم، لكن هذا لا ينطبق على الفتيات رغم أنهن يحصلن على التعليم في مدارس مرموقة. وهكذا حطمت القيود وانتقلت إلى الدراسة الجامعية وكنت أنا وبنات جيلي قليلات العدد في محيط جامعي ناشئ الشبان فيه هم الأغلبية، وكلما رأيت الأعداد الهائلة الآن لبناتنا وهن في الجامعات تذكرت تلك الزهرات المنتثرات آنذاك في كلية الآداب».

اقرأ أيضاً:“صبرية” التي امتلكت شجاعة وجبن “الانتحار”.. “دمشق يا بسمة الحزن”

للكاتبة رأي خاص بعدد من الأديبات السوريات عبرت عنه خلال لقاء مع الكاتب “أديب القزاز” ومنهن:

غلاف كتاب “سِفر براءة ونقاء فجر “عن “قمر كيلاني”

غادة السمان

مبدعة ومثقفة بآن معاً، وهي قريبة لي وأحبها جداً، لكنها وهي نجمة تقطع فلك الأدب بسرعة البرق ابتعدت عن سمائنا مبكراً، واختارت سماءً أخرى أو سماوات لازالت فيها نجمة، لـ “غادة” أسلوب متفرد، والعبارة عندها ذات خصوصية شديدة، وتظل قصصها القصيرة أكثر إبداعاً من رواياتها، لكنها تهوى الصحافة وتريد أن يظل ألقها متواصلاً وأن تظل العيون تتطلع الى هذه النجمة، وأنا اعتبرها كاتبة بارزة ومتقدمة على زمنها، وبارعة في انتقاء موضوعاتها بمعاصرة وتزامن مع الأحداث الكبرى مما يشكل جسراً بين الصحافة وبين الأدب.‏

كوليت خوري

نهر يسير هادئاً متواصلاً ويتلألأ كلما سطعت عليه الشمس، وكان لها سبق في روايتها (أيام معه) التي ربطها الناس بأحداث كثيرة من الحب، وتحرر المرأة، والتمرد على التقاليد الخ… وهي تكتب بسلاسة وعذوبة قريباً من روح القارئ لكنها لا تعتمد كثيراً أو قليلاً على الرمز والدلالة، ولا يعنيها أيضاً أن تكون العبارة قوية ومتينة لغوياً بل يهمها أن توصل مشاعرها قبل أفكارها الى القارئ، وأي رواية من رواياتها هي كوليت نفسها لأنها تعبر ذاتياً وبشكل عفوي عن معاناتها الخاصة.‏

ألفة الإدلبي

رائدة من رائدات الأدب السوري النسائي نفخر بها لأنها مزقت الستار عن المرأة التي كانت منعزلة في المجتمع لا تعرف سوى بيتها وهمومها الأسرية فأخذت بيدها، وانطلقت معها الى عالم الأدب والكتابة، وبما أنها عاشقة لـ”دمشق” فقد حاولت أن تصورها في مؤلفاتها مفعمة بأحداث مرت بها “دمشق” أو “سوريا” كلها، ولعل خيوطاً من الشعاع الوطني والقومي كان يدور أيضاً بين سطورها.‏

يذكر أن “قمر كيلاني” كاتبة وباحثة سوريّة ولدت في دمشق 1932، تخرجت من كلية الآداب، تولت مسؤولية النشاط الثقافي لاتحاد الكتاب العرب وعضوية اللجنة الوطنية لليونسكو، كما شاركت في تأسيس مجلات أدبية وترأست تحرير مجلة “الآداب الأجنبية”، توفيت في العام 2011 عن عمر ناهز 79 عاماً.

اقرأ أيضاً:من هي الكاتبة السورية التي تزوجت محمود درويش وباتريك سيل؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع