الزايد أخو الناقص – ناجي سعيد

ناجي سعيد

وجود الإنسان هو معيار الحياة اللاعنفية، وإرادته معيار الحبّ واللاعنف

سناك سوري-ناجي سعيد

رسالة الماجستير التي أُعدّها في تخصّص التربية اللاعنفيّة، دفعتني للبحث حول كلّ ما يتعلّق بتفسير الأمثال الشعبية. فعنوان رسالتي: “العنف في الأمثال الشعبية اللبنانية”. وبطبيعة الحال يطال جهدي للعمل حول البحث، قراءة مقالات وأبحاث ورسائل جامعية سابقة عن الموضوع.. وفيما وجدت، مقالةً بعنوان “الزائد أخو الناقص” وهو مقالة للكاتبة المصرية “داليا الحديدي” نُشر في صحيفة الوطن الإلكترونية القطرية.

تبدأ المقالة بالجملة التالية: «يقول المثل الشامي “الزائد أخو الناقص” كذا، ينتشر بين المصريين قول: (كل شيء يزيد عن حده ينقلب لضده). وقديماً أوصى الحكماء الإسكندر بالاعتدال، كونه لجاماً يمنع الإفراط ويعوق التفريط»، ولا أودّ التعليق على مصطلح “المتل الشامي”، حيث عرفت خلال عملي لفترةٍ في دولة خليجية، بأن غالبية المصريين والخليجيين وبعض دول الشمال الأفريقي يجمعون هويّات لبنان وسوريا وفلسطين والأردن أحيانًا، بمصطلح واحد وهو ” شامي”.

ما لفت نظري فعلاً، أني دائمًا أضع نُصب أعيني ميزانًا (في قراءاتي وكتاباتي وحتى المشاهدة والملاحظة)، ميزانًا أستخدمه لمعرفة مغزى المقروء والمكتوب، أقيسُ خضوع المغزى أو الهدف لمعيار كمّي أم نوعي؟ فلو كان المعيار الذي يُتّبع هو “النوعي”، يسقط معه تلقائياً مفهومي التعميم والأحكام المسبقة اللذان يعتمدان كُليًّا على المعيار الكمي. حيث يدخل التعميم في مجال تربية الأم لأولادها، والمثالُ على ذلك قد صادف مُعظمَنا خلال طفولته. فحين تطلب الأم من ابنها/ابنتها خدمةً ما وي/ترفض تلبيتها، فتبادره/ها بالقول: «أنت دايمًا هيك، عمري ما قلّتلك شي وسمعت الكلمة». والتعميم هنا واضح، حيث لا يكون الابن/ة قد رفض/ت تلبية طلب أمّه/ها سوى مرتين أو ثلاث .. أو خمس عشرة، لكن ذلك لا ينفي تلبية الخدمة من الابن/ة عدّة مرّات.

اقرأ أيضاً: الطائفية السياسية والمجتمع الأعمى – ناجي سعيد

لكنّ المعيار الكمّي يُغشي “الأبصار الموضوعية”، فيُحكم على الموضوع بشكل سلبيّ. وليس سهلاً على الأمهات استعمال وظيفة الدماغ في تعزيز عملية الإدراك. وليس هذا تهمةً للأمهات حصرًا، فعامةً -وليس تعميمًا- يستسهل الإنسان طريق “الفاست فود” فالأمور الجاهزة “أريح راس” وهي تمامًا وليدة المعيار الكمّي، لأن الطعام السريع يوفّر وقتًا يُستهلك في الطبخ وتحضير الطعام. فنرى الإنسان ضحيّة معيار السرعة لإنجاز أكبر عدد ممكن من المهمات في عمله. فمن جهة يُمكن إعتبار هذا الأمر تقديرًا وإحترامًا لقدرات ذاتية لدى كلّ إنسان في إنجاز ما يبرع به (أعطِ خبزك للخبّاز). ومن جهة أخرى هو النظرة المرهونة للمعيار الكمّي، فالسرعةُ “كمّ”، مادّتها الملموسة هو الوقت، وهذا هو الأقرب إلى واقع الإنسان، فحياة الإنسان تُقاس بعدد السنوات والأيام واللحظات، ولا أحد يذكر فضائل الإنسان وإنجازاته المفيدة التي تُقاس بمعيار نوعي إلاّ بعد موته.

وبطبيعة الحال، وبما أنّي امتهنتُ التدريب على المواضيع المتعلّقة بالتواصل اللاعنفي وتحويل النزاعات، تراني أَلحظُ هذه الأمور التي تبدو لغير المهتمّين صغيرة، بينما عندما أتعمّق بمسألة ما، ولكي أحافظ على معياريّة حديثي وعلميّته، أعتمد مراجع فلسفية أدبيّة أو دينيّة، وقد قرأتُ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه). ولو أردنا فهم الحديث بشكل تلقائي دون العودة إلى التفاسير المعتمدة في علوم الحديث، لوجدنا بأن الله وهو خالق البريّة، يوصي عباده بضرورة إتقان أي عمل يودّون القيام به. وهذا يؤكّد بأن المراجع الدينية على اختلافها لا يمكن أن تستخفّ بإتقان وجودة العمل، وهذا تأكيد على “نوعيّة” العمل (المعيار النوعي)، فلا يمكنك ان تُنجز العمل كيفما اتُّفق.

اقرأ أيضاً: شائعات.. الغاية لا تبرر الوسيلة – ناجي سعيد

ويلتقي الشرع هنا مع أبسط القواعد الأخلاقية في حياة الإنسان، فلو تقدّم أحدُنا للحصول على وظيفة ما، فالمعيار الأساسي المُعتمد في التوظيف هو إتقان العمل ويأتي بالدرجة الثانية قيم الإخلاص والتفاني وصحوة الضمير.وقد تابع التأكيد على أهميّة إتقان العمل حديث الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) بأن ربط الإتقان بقيمة الإنسان فقال: “قيمةُ كلّ امرئٍ ما يُحسنه”.

وبالعودة إلى ما بدأنا به، بأن “الزائد أخو الناقص”، و”كل شيء يزيد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه”، وبعد أن استندنا إلى المنطق الديني والمجتمعي، لا يُمكن لنا أن نرى الإنسان ونُقيّمه على أنّه فرد “كمالة عدد” في سجلّ عائلة/ طائفة/ حزب/ نظام.. إنّه أوّلاً وأخيراً إنسان، والإنسان قيمة مُطلقة. والعنفُ الذي نراه، بالطبع يعتمد رؤية الإنسان من خلال نظّرة المعيار الكمّي لا النوعي. وجود الإنسان هو معيار الحياة اللاعنفية، وإرادته معيار الحبّ واللاعنف..

لقد صادفني في حياتي نوعان من الناس: منهم من يموت من كثرة الأيام، ومنهم من يموت من شدّة العمل.

كثرة الأيام…

اقرأ أيضاً: فرخ البط عوام – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع